
قمة بكين بين ترمب وشي: تفاهمات حذرة فوق بركان التجارة وإيران وتايوان
اختتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب زيارته إلى الصين بلقاء مطوّل مع الرئيس الصيني شي جين بينج في العاصمة بكين، في زيارة حملت رسائل متناقضة تجمع بين التهدئة الاستراتيجية والتنافس الحاد، وسط ملفات معقدة تتعلق بالتجارة وإيران ومضيق هرمز وتايوان.
ورغم أن الجانبين حرصا على إظهار أجواء إيجابية، فإن طبيعة الملفات المطروحة تكشف أن العلاقة الأميركية الصينية لا تزال تتحرك فوق خطوط توتر قابلة للاشتعال في أي لحظة.
ترمب: العلاقات تزداد تحسناً
الرئيس الأميركي وصف الزيارة بأنها «رائعة»، مؤكداً أن العلاقات مع الصين «جيدة وتزداد تحسناً»، مشيراً إلى ما سماه «صفقات تجارية ممتازة» وتفاهمات مهمة بين البلدين.
وخلال اليوم الأخير من الزيارة، اصطحب الرئيس الصيني نظيره الأميركي في جولة داخل مجمع «تشونجنانهاي» الحكومي، في مشهد أرادت بكين من خلاله إضفاء طابع شخصي ودافئ على القمة، قبل أن يعقد الطرفان جلسة محادثات مغلقة تخللتها مأدبة غداء رسمية.
ورغم الأجواء الودية، لم يعلن الجانبان عن اتفاق تجاري شامل، لكن ترمب كشف أن الصين وافقت على شراء طائرات أميركية ومنتجات زراعية، وفي مقدمتها فول الصويا، في خطوة تبدو محاولة لاحتواء آثار الحرب التجارية التي اندلعت بين البلدين العام الماضي.
تفاهمات صامتة بلا تفاصيل
وزارة الخارجية الصينية تحدثت عن «سلسلة تفاهمات جديدة» توصل إليها الرئيسان، مؤكدة أن الجانبين اتفقا على تعزيز الاستقرار الاستراتيجي وإدارة الخلافات بشكل مناسب.
لكن اللافت أن بكين تجنبت الكشف عن مضمون هذه التفاهمات، ما يوحي بأن كثيراً من الملفات ما زال في إطار التفاهم السياسي العام، وليس الاتفاقات الملزمة.
الصين ركزت في خطابها الرسمي على فكرة «إدارة التنافس» وليس إنهاء الخلافات، وهو توصيف يعكس إدراكاً متبادلاً بأن الصدام الكامل بين القوتين سيكون مكلفاً للطرفين وللاقتصاد العالمي.
إيران ومضيق هرمز في صلب المحادثات
أحد أبرز محاور القمة كان الملف الإيراني، خاصة بعد التصعيد المرتبط بمضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية.
ترمب قال إن الرئيس الصيني تعهد بعدم تزويد إيران بمعدات عسكرية، واعتبر ذلك «تصريحاً مهماً»، مضيفاً أن واشنطن وبكين تتفقان على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية.
كما أشار البيت الأبيض إلى أن الصين تعارض «عسكرة المضيق» أو فرض رسوم على المرور فيه، في إشارة واضحة إلى التهديدات الإيرانية الأخيرة.
وفي المقابل، حاولت بكين الظهور كوسيط توازن، لا كطرف منحاز بالكامل إلى واشنطن، خصوصاً أن الصين تعتمد بصورة كبيرة على نفط الخليج، وتخشى أن يؤدي أي انفجار عسكري واسع إلى ضرب أمن الطاقة العالمي.
تايوان... الملف الأخطر
ورغم الحديث عن التجارة وإيران، بقيت قضية تايوان الأكثر حساسية في القمة.
الرئيس الصيني وجّه تحذيراً مباشراً إلى ترمب، مؤكداً أن «سوء التعامل مع قضية تايوان قد يؤدي إلى اشتباكات وحتى صراعات».
هذا التحذير يعكس القلق الصيني المتزايد من استمرار الدعم العسكري الأميركي لتايوان، في وقت تعتبر فيه بكين الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، ولا تستبعد استخدام القوة لاستعادتها.
في المقابل، حافظت واشنطن على موقفها التقليدي القائم على «الغموض الاستراتيجي»، إذ تؤكد رفض أي تغيير أحادي للوضع القائم، دون أن تعلن صراحة التزامها العسكري بالدفاع عن تايوان.
اللافت أن البيان الأميركي بعد الاجتماع تجاهل ذكر تايوان تماماً، ما يشير إلى رغبة إدارة ترمب في تجنب تفجير الخلاف علناً خلال الزيارة.
الاقتصاد أولاً... ولكن بحذر
اقتصادياً، يبدو أن الطرفين يحاولان إعادة ضبط العلاقة بعد مرحلة الرسوم الجمركية المتبادلة التي تجاوزت 100% في بعض السلع.
الولايات المتحدة تريد الحفاظ على وصولها إلى المعادن الأرضية النادرة الصينية، فيما تسعى بكين لتخفيف الضغوط التجارية والحفاظ على السوق الأميركية.
كما رافق ترمب عدد من كبار رجال الأعمال الأميركيين، بينهم إيلون ماسك والرئيس التنفيذي لشركة أبل تيم كوك، في إشارة إلى أن البعد الاقتصادي كان حاضراً بقوة في الزيارة.
قراءة سياسية: تهدئة مؤقتة لا شراكة حقيقية
الزيارة عكست حقيقة أساسية مفادها أن واشنطن وبكين لا تسعيان حالياً إلى شراكة استراتيجية كاملة، بل إلى منع الانفجار الكبير.
فالخلافات البنيوية ما زالت قائمة:
- الصين ترى نفسها قوة صاعدة يجب أن تعيد تشكيل النظام الدولي.
- الولايات المتحدة تعتبر أن الحفاظ على تفوقها العالمي يتطلب احتواء الصعود الصيني.
ولهذا تبدو التفاهمات الحالية أقرب إلى «إدارة صراع» منها إلى «بناء تحالف».
أما الملفات الأخطر، مثل تايوان والتكنولوجيا والنفوذ العسكري في آسيا ومستقبل طرق الطاقة العالمية، فما زالت مؤجلة لا محلولة.
وفي النهاية، يمكن القول إن قمة بكين نجحت في تخفيف التوتر مؤقتاً، لكنها لم تغيّر حقيقة أن العلاقات الأميركية الصينية دخلت مرحلة تنافس استراتيجي طويل، قد يتأرجح بين التهدئة والمواجهة بحسب تطورات الاقتصاد العالمي وأزمات الشرق الأوسط وآسيا.