
قنوات خلفية على حافة الحرب: بين رسائل التهدئة وشروط التصعيد.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران بدأت، ولو بحذر، تشهد تحركات غير معلنة خلف الكواليس. فبينما يستمر التوتر العسكري على الأرض، تتحرك قنوات دبلوماسية غير رسمية لالتقاط إشارات التهدئة قبل أن تنزلق الأوضاع إلى مواجهة أوسع لا يمكن السيطرة عليها.
في هذا السياق، تبرز أدوار إقليمية لافتة لكل من مصر وقطر، حيث تسعى الدولتان إلى لعب دور ناقل للرسائل بين الأطراف المتنازعة. هذا النوع من التواصل غير المباشر ليس جديداً في العلاقات الدولية، لكنه يكتسب أهمية مضاعفة عندما تكون الهوة السياسية بين الطرفين واسعة إلى هذا الحد. فغياب الثقة يجعل من الوساطة المباشرة أمراً معقداً، ويفتح المجال أمام ما يُعرف بالدبلوماسية “الخفية” أو “التمهيدية”.
الهدف من هذا المسار يبدو واضحاً: اختبار النوايا الحقيقية لكل طرف قبل الدخول في مفاوضات رسمية. فالولايات المتحدة، بحسب ما يُتداول، تسعى إلى فهم مدى استعداد إيران لتقديم تنازلات، في حين تحاول طهران استغلال اللحظة لفرض شروط تضمن لها أكبر قدر ممكن من المكاسب أو الضمانات.
لكن الملف اللافت في هذه المرحلة هو طبيعة الشروط التي تُنسب إلى الجانب الإيراني. إذ يبدو أن طهران لا تنظر إلى التفاوض كمسار منفصل، بل كجزء من معادلة شاملة تبدأ بوقف العمليات العسكرية، ولا تنتهي عند حدود الضمانات الأمنية، بل تمتد لتشمل مطالب مالية تعويضية. هذا النوع من المطالب يعكس محاولة لإعادة تعريف ميزان التفاوض، بحيث لا يكون مجرد نقاش حول البرنامج النووي أو التهدئة، بل حول ما تعتبره إيران “أضراراً مباشرة” لحقت بها.
في المقابل، تتحرك واشنطن بحذر، مدفوعة برغبة في تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تكون مكلفة على الصعيدين السياسي والعسكري. وجود شخصيات سياسية مقربة من دوائر القرار، مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، يشير إلى محاولة صياغة مقاربة تفاوضية أوسع، لا تقتصر على الملف النووي فقط، بل تشمل إعادة ترتيب بعض التوازنات في المنطقة.
هذا التوجه يعكس قناعة لدى بعض صناع القرار بأن الحلول الجزئية قد لا تكون كافية، وأن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يكون شاملاً ليصمد أمام التغيرات السياسية والأمنية. ومع ذلك، فإن هذا الطموح يصطدم دائماً بتعقيدات الواقع الإقليمي، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع الاعتبارات السياسية، وتلعب ملفات مثل أمن الملاحة في مضيق هرمز دوراً حاسماً في توجيه القرارات.
في الخلفية، تظل المنطقة بأكملها على صفيح ساخن. فكل طرف يقرأ خطوات الآخر بعين الريبة، وكل رسالة دبلوماسية قد تُفسر بأكثر من معنى. وبين هذا وذاك، تحاول الأطراف الإقليمية الوسيطة، وعلى رأسها مصر وقطر، الحفاظ على خيط رفيع من التواصل قد يكون هو الفارق بين احتواء الأزمة أو انفجارها.
ورغم الحديث عن تقدم محتمل، فإن الطريق إلى أي اتفاق لا يزال طويلاً. فالشروط المتبادلة، والشكوك العميقة، وسجل المواجهات، كلها عوامل تجعل من أي اختراق دبلوماسي مهمة بالغة الصعوبة. ومع ذلك، فإن مجرد وجود هذه القنوات الخلفية يشير إلى أن الخيار العسكري، رغم حضوره، ليس الخيار الوحيد المطروح على الطاولة.
في النهاية، تبقى الساعات أو الأيام القادمة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدبلوماسية على كبح جماح التصعيد. فإما أن تنجح هذه الجهود في فتح نافذة حقيقية للحل، أو أن تعود المنطقة إلى دائرة التصعيد، حيث تصبح لغة القوة هي الصوت الأعلى من جديد.