
سلطة بلا خطة… ووعي لا يُستحضر بالتمني
في 17 شباط 2026، خلال مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي”، خرج الرئيس أحمد الشرع في حديث متلفز ليشير إلى أن سقف طموحات السوريين ارتفع، وأن مطالبتهم بالإصلاح السريع تعكس غياباً في وعيهم بالإجراءات المتدرجة التي تقول الدولة إنها تتخذها.
من النادر أن يُوجَّه الخطاب الرسمي بهذا الشكل: لوم الشعب على عدم فهمه لما يُفترض أنه خطة إصلاح. التقليد الطبيعي لأي إدارة فاعلة هو أن تُبنى الثقة عبر وضوح الأهداف وشفافية الخطوات، لا عبر تحميل المواطنين مسؤولية غياب تصورهم أو صبرهم. السؤال هنا ليس عن وعي الناس، بل عن وجود خطة واضحة يمكن فهمها، أو على الأقل استنتاجها.
قراءة السلوك قبل الخطاب
حين نفحص الواقع، فإن ما يُعلن من السياسات يتحدث بصوت أقوى من أي خطاب. مثال واضح هو رفع أسعار الطاقة بحجة “حماية المنتج الوطني”. في اقتصاد هش، حيث القدرة الشرائية تنهار، هذا القرار لا يمثل إصلاحاً اجتماعياً، بل إعادة توزيع للأعباء إلى المستهلكين الأكثر ضعفاً، بينما تحمي الفئات الأعلى دخلاً.
وبالمثل، عندما تتحول أزمة الاقتصاد من أزمة سياسات وإصلاحات إلى أزمة “توقعات مرتفعة”، يتحول النقاش من المعالجات البنيوية إلى خطاب أخلاقي يلوم المواطنين على سقف طموحاتهم. كل تجربة إصلاح ناجحة في العالم تعتمد على عناصر ثابتة: خريطة طريق واضحة، أرقام دقيقة، مراحل زمنية معلنة، مؤشرات قياس، تقارير دورية، ومحاسبة للمعنيين. غياب أي من هذه العناصر يجعل من الخطاب مجرد محاولات لإعادة صياغة الأزمة أخلاقياً بدل حلها واقعياً.
غموض الملكية… وعجز الشفافية
لا تقل أزمة ملكية القطاعات الاستراتيجية أهمية عن أزمة الأسعار أو إدارة السيولة. مثال الاتصالات، حيث الغموض حول من يملك البنية التحتية الحيوية، يكشف عن خلل جوهري: لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي من دون وضوح الملكية، دور الدولة، وتنظيم السوق. الاقتصاد الريعي لا يُصلَح بالوعظ، فالتحدث عن التزام التجار أو صبر المواطنين دون معالجة توزيع القوة والموارد هو إعادة تعريف الأزمة من بنيوية إلى أخلاقية، لا أكثر.
إعادة تعريف الأزمة… وإدارة يومية فقط
عند تجميع المؤشرات: رفع الأسعار دون حماية المستهلك، خطاب يحوّل أزمة السياسات إلى أزمة توقعات، غموض في ملكية القطاعات الحيوية، وضخ إعلامي لبناء “ثقة” بلا بيانات، يتضح أن ما يُسمى خطة إصلاح هو في الحقيقة مجرد إدارة يومية للتوازن المالي، دون إعادة هيكلة حقيقية.
الوزراء هنا ليسوا صانعي سياسات، بل منفذون لقرارات مركّزة في أعلى مستويات السلطة، مما يجعل الإصلاح البنيوي غائباً ويحل محله خطاب متكرر يطلب من الناس الإيمان بما لم يُعلن، والصبر على ما لم يُخطط، والقبول بما لم يُفسَّر.
السلطة والعقد الاجتماعي
الدولة لا تُدار بالإيمان، بل بالعقد والشفافية والآليات الواضحة. إذا كان العقد الاجتماعي بين الدولة والشعب غائباً، وإذا لم يكن هناك مسار إصلاح واضح ومعلن، فإن المشكلة ليست في وعي الناس، بل في غياب الوضوح في أعلى مستويات السلطة. في هذه الحالة، لا يكون الحديث عن إصلاح سوى اختبار إيمان، لا خطة ملموسة، ولا ضمان لتوزيع عادل للأعباء والمنافع.
إن المطالبة من المواطنين بفهم إصلاح لم يُعلن، أو الصبر على خطوات غير مخططة، لا تُعدّ سياسة، بل محاكاة خطابية لإخفاء غياب استراتيجية حقيقية. وبهذا، يصبح الخطاب البديل عن الفعل، والصبر المتوقع من الناس بديلاً عن الخطة، ويُعاد تعريف الأزمة بما يخدم الحفاظ على مصالح محددة، بدل خدمة المجتمع ككل .