سقوطُ جلّادِ التضامن… حين تتكلّم العدالة أخيراً:
ليست بعض الأخبار مجرّد عناوين عابرة في نشرات المساء، بل لحظات فاصلة تعيد ترتيب المعنى في وجدان الناس، وتمنح المظلومين شيئاً من السكينة التي سُرقت منهم منذ سنوات، خبر إلقاء القبض على المجرم أمجد يوسف، سفّاح حيّ التضامن، واحدٌ من تلك الأخبار التي لا تُقرأ بعينٍ باردة، بل تُستقبل بارتجاف القلب، وبذاكرةٍ مثقلةٍ بصور الدم والخذلان والانتظار الطويل.
أمجد يوسف ليس مجرد اسم ارتبط بجريمة عابرة، بل هو وجهٌ من وجوه آلة القتل المنظم التي استباحت السوريين السوريين، وصورة مكثفة لوحشيةٍ مورست بدمٍ بارد، حين تحوّلت الأحياء إلى مسالخ، والناس إلى أرقام في قوائم الغياب. في حيّ التضامن، لم تكن الجريمة مجرد قتل، بل كانت إعلاناً صريحاً عن انهيار كل الحدود الإنسانية، حين اقتيد الأبرياء إلى حفرة الموت، وأُعدموا بدمٍ بارد، ثم أُحرقت أجسادهم وكأنّ القتلة أرادوا محو الذاكرة نفسها، لا الضحايا فقط.
لكن الذاكرة لا تُحرق، والحق لا يموت، والعدالة وإن تأخرت لا تسقط بالتقادم، ولهذا جاء خبر القبض عليه كصفعةٍ في وجه كل من ظنّ أن الزمن كفيل بتبييض الجرائم، أو أن المجرمين قادرون على الإفلات الأبدي من الحساب، لقد سقط أمجد يوسف، لا لأنه وحده مسؤول، بل لأنه شاهدٌ حيّ على منظومة كاملة بُنيت على الإجرام والإفلات من العقاب.
الفرح هنا ليس شماتة شخصية، بل هو شعور عميق بانتصار المعنى نفسه؛ انتصار فكرة أن دم السوري ليس رخيصاً، وأن الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن، والأطفال الذين كبروا على اليتم، والزوجات اللواتي عشن بين القهر والغياب، لم تكن صرخاتهم تذهب إلى فراغ. هذا الخبر يعيد شيئاً من التوازن الأخلاقي إلى عالمٍ بدا طويلاً وكأنه يتعايش مع الجريمة بوصفها خبراً عادياً.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يُختزل الأمر في شخص واحد، أمجد يوسف ليس النهاية، بل بداية التذكير بأن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تمتد إلى كل من أصدر الأوامر، وغطّى الجرائم، وشرعن القتل، وحوّل الدولة إلى مؤسسة للرعب. من ضغط الزناد ليس وحده المسؤول، بل أيضاً من صنع البيئة التي جعلت الضغط على الزناد وظيفة يومية.
إن ماحدث في سورية لم يكن صرخة جوع، بل صرخة كرامة، ولم تكن احتجاجاً عابراً، بل مواجهة مع الأسرة المغتصبة التي اختطفت الطائفة ومن خلالها اختطفت الحزب والجيش وبالتالي تمت سرقة البلد وننبه وتحويله لملكية خاصة من خلال منظومة كاملة من القمع والقتل والإذلال. وكل خطوة نحو محاسبة مجرم، مهما تأخرت، هي تثبيت جديد لشرعية تلك الثورة، وإثبات أن الشعوب قد تُهزم عسكرياً لكنها لا تُهزم أخلاقياً ما دام حقها حيّاً في الذاكرة وفي المطالبة.
اليوم، يشعر كثيرون أن الأرض أخفّ قليلاً، وأن السماء أقلّ اختناقاً. ليس لأن العدالة اكتملت، بل لأنها بدأت تطرق الباب. وسقوط جلّاد حيّ التضامن ليس نهاية الحكاية، بل رسالة واضحة: لا أحد ينجو إلى الأبد، ولا قبر يبتلع الحقيقة، ولا طاغية يستطيع أن يدفن التاريخ معه.
هذا يوم من أيام السوريين الثقيلة، لكنه أيضاً يوم من أيامهم المضيئة. يومٌ يثبت مرة أخرى أن الحق قد يتأخر، لكنه لا يضيع، وأن للظلم ساعة، وللعدالة موعداً لا يخلف.