
سورية التي أكرهها حبًّا:
لا أبغض سورية، ولا أبغض أهلها، ولا سيما أولئك الأشراف الذين لا يفرّق بينهم عرق ولا دين، أولئك الذين ظلّوا، رغم الخراب، الحارس الأخير لفكرة الوطن النبيل. فأنا، أينما كنت، وأنّى صرت، فمنها وإليها… منها خرجتُ محمّلًا بالوجع، وإليها أعود محمّلًا بالحنين، وبين الوجع والحنين تتشكّل العلاقة الأكثر تعقيدًا بين الإنسان ووطنه: علاقة الحب الذي يشبه الخصومة، والوفاء الذي يلامس حدود الغضب.
كنت قبل أن أكتب مقالي هذا بلحظات بنقاش مع رئيس فرع سابق في أحد الأجهزة الأمنية، قلت له: لقد قال الراحل الكبير محمد الماغوط: "سأخونك يا وطني"، وأنا كتبت يومًا: "كرهتك يا وطني". لم تكن العبارة نزوة غضب، ولا رفاهية أدبية، بل كانت صرخة رجل أنهكه الإحساس بالعجز أمام وطن يتآكل من الداخل، وطن يجرح أبناءه أكثر مما يحتضنهم، ويختبر ولاءهم بأقسى الطرق.
أخذني ضميري بعدها، وآلمتني وطنيتي وقلت لنفسي مؤاخذ إياها :
- كيف يمكن لإنسان أن يكره وطنه؟..
- وكيف يمكن لوطن أن يدفع أبناءه إلى هذه الحافة؟ ..
لكنني أدركت أن الكراهية هنا ليست نقيض الحب، بل أقصى درجاته. نحن لا نكره إلا ما نحب حين يخذلنا، ولا نتألم إلا من الأشياء التي تسكننا حدّ الالتحام. الكراهية الحقيقية هي اللامبالاة، أما الغضب فهو الوجه الآخر للانتماء.
ما أنا عليه اليوم، وما كنت عليه منذ كنت يافعًا، لم يكن بسبب خصومة مع وطن، بل بسبب تضامن مع الذين يتعذبون فيه. مع أولئك الذين لا صوت لهم، الذين طحنهم الخوف، وأكلتهم المنافي، وأرهقتهم الانتظارات الطويلة أمام أبواب العدالة المغلقة. كنت، ولا أزال، أرى أن الدفاع عن الإنسان هو الشكل الأصدق للدفاع عن الوطن، وأن الوطنية ليست نشيدًا يُرفع، بل موقفًا أخلاقيًا يُدفع ثمنه.
منذ شبابي، كان الحلم واحدًا:
أن تتغير سورية. لا أن تسقط، بل أن تنهض. لا أن تُمحى، بل أن تُستعاد من الذين اختزلوها في سلطة، وفي صورة، وفي جهاز، وفي خوف. لم أُمنح من الفضائل ما يسمح لي ببلوغ هذه الغاية الكبرى، ولم أكن يومًا نبيًا يحمل خلاصًا، لكنني حاولت، وما زلت أحاول، أن أدافع عن بعض القيم التي بدونها تصبح الحياة غير جديرة بأن نحياها، ويصبح الإنسان غير جدير بالاحترام.
فالكرامة ليست ترفًا سياسيًا، والعدالة ليست شعارًا موسميًا، والحرية ليست مؤامرة كما أرادوا لنا أن نصدق، بل هي شروط الحد الأدنى لإنسانيتنا. حين تُسحق هذه القيم، يتحول الوطن إلى جغرافيا خائفة، ويصبح الانتماء إليه نوعًا من الألم المزمن.
سورية ليست السلطة، وليست السجن، وليست التقارير الأمنية، وليست خطابات التخوين. سورية هي ذلك المعنى الأعمق الذي يسكن الناس البسطاء، في القرى المنسية، وفي المدن التي تعبت من دفن أبنائها، وفي الأمهات اللواتي ينتظرن الغائبين بلا يقين. سورية هي أولئك الذين حافظوا على شرفها حين فقدت السياسة شرفها.
لهذا، لم يكن قول "كرهتك يا وطني" إعلان قطيعة، بل اعترافًا موجعًا بحجم الخيبة. كان شكلًا آخر من أشكال الحب، حبًّا يرفض التواطؤ، ويرفض الصمت، ويرفض أن يتحول الإنسان إلى شاهد زور على خراب بلاده.
نحن لا نريد وطنًا مثاليًا، بل وطنًا عادلًا. لا نريد وطنًا يصفق لنا، بل وطنًا لا يذلّنا. لا نريد أكثر من وطن نستطيع أن نحبه بلا خوف، وأن نختلف معه بلا تهمة، وأن نحلم فيه بلا منفى.
وهكذا تبقى سورية، رغم كل شيء، قدرًا لا يُغادر، وجرحًا لا يلتئم، وحبًّا لا يُشفى منه أحد. نغضب منها لأنها تسكننا، ونكتب ضدها لأننا نكتب لها، ونكرهها أحيانًا… فقط لأننا أحببناها أكثر مما ينبغي.