--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.
العالم

صيدا على خط النار: هل تعود إسرائيل إلى لبنان من بوابة الحرب الصامتة؟

نُشر في ٢٩‏/٥‏/٢٠٢٦، ٢:٢٠:٣٠ م

صيدا على خط النار: هل تعود إسرائيل إلى لبنان من بوابة الحرب الصامتة؟

حين يطلب جيش الاحتلال من سكان مدينة بحجم صيدا أن يخلوا منازلهم ويبتعدوا كيلومتراً كاملاً عن المدينة، بحجة أن الطيران الحربي سيبدأ التدمير تمهيداً لدخول قوات مدرعة وميكانيكية “للتفتيش عن مقاتلي حزب الله”، فإن المسألة لا تعود مجرد إجراء أمني أو تكتيك ميداني محدود. نحن أمام تحول نوعي في طبيعة الحرب، وأمام مشهد يلامس ــ وإن بصيغ مختلفة ــ ذاكرة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

صيدا ليست قرية حدودية معزولة، وليست نقطة تماس تقليدية في جنوب لبنان. صيدا مدينة مركزية، ذات كثافة سكانية ورمزية سياسية وجغرافية، وتقع على بعد أربعين كيلومتراً فقط من بيروت. ولذلك فإن مجرد إدخالها في بنك الأهداف العسكرية الإسرائيلية يعني أن الحرب تجاوزت مفهوم “المنطقة العازلة” أو “الردع الحدودي”، وانتقلت إلى منطق إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية للبنان كله.

إسرائيل، على ما يبدو، تحاول تنفيذ اجتياح تدريجي بلا إعلان رسمي. اجتياح لا يبدأ ببيان سياسي ولا بصورة دبابة تعبر الحدود تحت أضواء الكاميرات، بل يبدأ عبر سياسة القضم الهادئ، وتوسيع نطاق العمليات، وتحويل المدن اللبنانية الكبرى إلى ساحات تهجير وضغط نفسي وعسكري.

الفارق بين 1982 واليوم أن إسرائيل في ذلك الوقت كانت تتحرك تحت عنوان إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وكانت تمتلك هامشاً عربياً ودولياً أوسع، كما أن المنطقة كانت تعيش ذروة الحرب الباردة والانقسام العربي. أما اليوم، فإن إسرائيل تتحرك في بيئة أكثر تعقيداً وخطورة. فحزب الله ليس تنظيماً محاصراً داخل المخيمات، بل قوة عسكرية ــ عقائدية تمتلك بنية صاروخية واستخباراتية وتجربة قتالية تراكمت خلال عقود، فضلاً عن امتداد إقليمي واضح.

لكن هذا لا يعني أن إسرائيل تخلت عن حلم إعادة صياغة لبنان أمنياً. على العكس، يبدو أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترى أن ما بعد السابع من أكتوبر خلق فرصة تاريخية لإعادة رسم خرائط الردع في المنطقة كلها، من غزة إلى جنوب لبنان، وربما أبعد من ذلك.

إنذار صيدا يحمل أكثر من رسالة.

الرسالة الأولى موجهة إلى الداخل اللبناني: لا خطوط حمراء بعد اليوم، وكل لبنان يمكن أن يتحول إلى ساحة حرب إذا استمرت المواجهة.

والرسالة الثانية إلى حزب الله نفسه: إسرائيل لم تعد تكتفي بضربات جوية متبادلة على الحدود، بل تريد نقل المعركة إلى العمق السكاني والجغرافي، لإجبار الحزب على الاختيار بين التراجع أو تحمل مسؤولية تدمير شامل للبنان.

أما الرسالة الثالثة فهي إقليمية ودولية: إسرائيل تريد أن تقول إنها استعادت “حرية الحركة البرية” في لبنان، وأن شبح 2006 لم يعد يقيد قرارها العسكري كما في السابق.

غير أن أخطر ما في المشهد ليس التهديد العسكري ذاته، بل الصمت الذي يحيط به. فالعالم يتعامل مع التصعيد وكأنه تفصيل يومي في حرب طويلة، بينما تتشكل على الأرض وقائع قد تقود إلى تغيير جذري في طبيعة الصراع اللبناني ــ الإسرائيلي.

هنا تحديداً تبرز المقارنة مع 1982.

في ذلك العام بدأت الحرب بذريعة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، ثم تحولت بسرعة إلى اجتياح شامل وصل إلى بيروت. أما اليوم، فالمبررات مختلفة، لكن المنطق الاستراتيجي يكاد يكون واحداً: تدمير البيئة العسكرية المعادية، فرض واقع أمني جديد، ودفع لبنان نحو مرحلة سياسية مختلفة تحت ضغط النار.

لكن إسرائيل اليوم تواجه معضلة أخطر بكثير مما واجهته عام 1982.

فهي تستطيع تدمير البنية التحتية، وتهجير السكان، وإدخال الدبابات إلى بعض المناطق، لكنها لا تملك ضمانة للخروج من المستنقع إذا توسعت الحرب. أي توغل بري عميق نحو مدن مثل صيدا أو النبطية أو حتى أطراف بيروت، لن يكون نزهة عسكرية، بل قد يتحول إلى حرب استنزاف مفتوحة، خصوصاً إذا قرر حزب الله نقل المواجهة إلى أقصى درجاتها.

ثم إن البيئة الإقليمية نفسها لم تعد مستقرة. فالجبهة اللبنانية لم تعد منفصلة عن غزة، ولا عن الحسابات الإيرانية، ولا عن التوتر في البحر الأحمر، ولا حتى عن الحسابات الأمريكية المتعلقة بالانتخابات والأمن الإقليمي.

لهذا، فإن ما يجري الآن قد لا يكون اجتياحاً كلاسيكياً على طريقة 1982، لكنه بالتأكيد محاولة إسرائيلية لإنتاج نسخة جديدة من السيطرة بالقوة: احتلال بالنار، وضغط بالتدمير، وفرض وقائع ميدانية تدريجية تحت سقف حرب مفتوحة بلا إعلان رسمي.

السؤال الحقيقي لم يعد: هل تدخل إسرائيل لبنان؟

السؤال هو: إلى أي مدى تريد أن تدخل؟ وهل تملك فعلاً القدرة السياسية والعسكرية على تحمل نتائج الدخول والخروج معاً؟

لأن التاريخ يقول إن إسرائيل تعرف دائماً كيف تبدأ حروبها، لكنها كثيراً ما تفشل في تحديد الطريقة التي تنتهي بها.