
تجنيد جديد يفتح أسئلة قديمة حول مستقبل السلطة في الحسكة
في شمال شرقي سوريا، عادت محافظة إلى واجهة النقاش السياسي مع إعلان فتح باب الانتساب إلى جهاز الأمن الداخلي المعروف باسم “الأسايش”. الخطوة، التي قُدّمت على أنها إجراء تنظيمي لإعادة ترتيب الصفوف، قرأها مراقبون بوصفها مؤشرًا سياسيًا يثير تساؤلات حول مدى جدية التوجّه المعلن نحو دمج التشكيلات المحلية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
بحسب باحثين متابعين للملف الكردي، فإن البنية الأمنية التابعة لـ تعرّضت خلال الفترة الماضية لاستنزافٍ أفقدها عددًا من عناصرها وفاعليتها الميدانية، الأمر الذي دفع إلى إعادة هيكلة وحدات الأمن الداخلي ومحاولة رفدها بعناصر جدد. ويأتي ذلك متزامنًا مع حديث عن ترتيبات أمنية تشمل تشكيل وحدات متعددة لتولّي مهام ضبط الأمن في مناطق أساسية من بينها مدينة إلى جانب مراكز حضرية في الحسكة، ما يعكس رغبة في إعادة الإمساك بالمفاصل الأمنية على الأرض.
في المقابل، يرى آخرون أن توقيت هذه الإجراءات لا يمكن فصله عن مسار الاندماج المطروح مع الحكومة السورية. فبدل أن تتجه القوى المحلية إلى تفكيك هياكلها الأمنية أو إدماجها فعليًا ضمن مؤسسات الدولة، يُخشى أن تكون الخطوات الجديدة محاولة لإعادة تثبيت النفوذ عبر جهاز أمني موازٍ يحتفظ باستقلالية القرار، ولو تحت مظلة تفاهمات سياسية عامة. هذا المسار، بحسب منتقديه، يكرّس واقع “الأمن داخل الأمن”، حيث تتجاور الأجهزة من دون أن تتوحّد فعليًا.
وتحذّر شخصيات اجتماعية من أن بناء هياكل أمنية محلية قوية في هذه المرحلة قد يُستخدم لترسيخ نفوذ طويل الأمد في المحافظة، بدل تمهيد الطريق لإدارة أمنية وطنية جامعة. ويذهب هذا القلق إلى أبعد من البعد الإداري، ليطال المخاوف من تغييرات ديموغرافية أو سياسات نفوذ قد تعيد رسم التوازنات الاجتماعية في المنطقة، في ظل حساسية التركيبة السكانية للحسكة ومحيطها.
على الأرض، ينعكس هذا الجدل في حالة ترقّب لدى الأهالي، الذين يتطلّعون إلى استقرار أمني لا يُدار بمنطق الترتيبات المؤقتة أو ازدواجية السلطة. وبين من يرى في إعادة فتح باب الانتساب خطوة ضرورية لسد فراغ أمني، ومن يعتبرها محاولة لإعادة إنتاج واقع النفوذ القائم، يبقى السؤال معلّقًا: هل تمهّد هذه الإجراءات لانتقال حقيقي نحو مؤسسات الدولة، أم أنها تعيد تثبيت نموذج الإدارة الأمنية المنفصلة تحت عناوين جديدة؟
في انتظار اتضاح المسار، تبدو الحسكة مرة أخرى ساحة اختبار لنوايا القوى المسيطرة: إمّا السير نحو دمج فعلي يُنهي ازدواجية القرار، أو الاستمرار في إدارة المشهد بمنطق الموازاة الذي يطيل أمد الإرباك ويؤجّل الاستقرار الشامل.