
ترمب يدفع أوروبا لتحمّل أعباء أمن ( الناتو )…
ما الخطة وكيف يمكن تنفيذها؟ :
في الآونة الأخيرة، ازدادت تصريحات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول ضرورة إعادة ( نقل أعباء أمن حلف شمال الأطلسي من واشنطن إلى الدول الأوروبية ) بدلًا من مجرد تقاسم الأعباء التقليدي الذي كان معمولًا به منذ نهاية الحرب الباردة وحتى اليوم، اذ تأتي هذه التصريحات في سياق إعادة رسم أولويات السياسة الخارجية الأمريكية وإعادة تعريف دور الولايات المتحدة في التحالفات متعددة الأطراف، خاصة مع التوجه نحو التركيز على آسيا والأميركيتين...
الفكرة الأساسية التي تروج لها الإدارة الحالية، كما عبّر عنها كبار المسؤولين الأمريكيين في مؤتمرات دولية مثل مؤتمر ميونيخ للأمن، هي أن الولايات المتحدة لم تعد الضامن الوحيد أو الأساسي لأمن أوروبا، وأن على الشركاء الأوروبيين أن يتحملوا مسؤولية أكبر في الدفاع التقليدي عن قارتهم، وهذا لا يعني انسحابًا فوريًا أمريكيًا من الحلف، لكنه يشير إلى تحول في الشكل والمضمون لدور واشنطن، مع توقعات بأن تتحمل أوروبا الجزء الأكبر من النفقات والقدرات العسكرية التقليدية في مواجهة التهديدات...
فلسفة هذه السياسة ترتكز على الانتقاد الذي يوجِّهه القادة في واشنطن بشأن المساهمة غير المتوازنة في الحلف، وخصوصًا فيما يتعلق بالإنفاق العسكري، يرى مسؤولو الإدارة أن الولايات المتحدة لطالما دفعت أكثر من غيرها في مجالات عدة، بينما لا تصل بعض الدول الأوروبية إلى حد ٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي كما كان مطلوبًا سابقًا، ناهيك عن الأهداف الأكبر التي تم الحديث عنها للوصول إلى ٥٪ بحلول منتصف العقد المقبل..
وهنا لنا أن نتساءل كيف يمكن تنفيذ هذا التحوّل؟ :
اجنحه إلى انه
يمكن تقسيم الإجراءات والسياسات المتوقعة أو المطروحة حاليًا تحت هذا ( النقل ) لأعباء الأمن إلى محاور أساسية :
- زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، حيث تشارك معظم العواصم الأوروبية في التزام بزيادة ميزانيات الدفاع، وهو ما تم الاتفاق عليه في قمم سابقة، بهدف الوصول لمستوى أعلى من القدرات الذاتية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الدعم الأمريكي...
- تعزيز التكامل العسكري الأوروبي: شددت مؤسسات الاتحاد الأوروبي وبعض القادة الأوروبيين على ضرورة تعزيز التعاون الدفاعي داخل الاتحاد، وتفعيل بنود الدفاع المشتركة، ما يخلق ( ركيزة دفاعية أوروبية ) أكثر فعالية...
تعديل دور القوات الأمريكية في أوروبا: في بعض التصريحات الأمريكية، أُشير إلى أن واشنطن ستعيد توجيه تركيزها بعيدًا عن الدفاع التقليدي في أوروبا نحو الأولويات الاستراتيجية في آسيا والأميركيتين، مما يتطلب من أوروبا أن تخطط وتنفذ المزيد من عمليات الدفاع والمناورات العسكرية دون الاعتماد الكامل على القوة الأمريكية...
- تحفيز أوروبا لتطوير صناعاتها العسكرية: جزء من المعادلة هو دفع الدول الأوروبية للاستثمار في صناعات تسليح محلية، ما يقلل الاعتماد على التكنولوجيا والعتاد الأمريكيين ويضمن قدرات دفاعية أكبر ضمن إطار أوروبي موحد...
عموما :
فإنه ومن منظور إدارة ترمب، ما يُطرح ليس انسحابًا أمريكيًا فجائيًا أو نزعًا للالتزامات، بل إعادة توازن للالتزامات الدفاعية داخل الحلف بحيث تصبح أوروبا أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة وأقوى في مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية، لكن هذه الرؤية تثير جدلًا واسعًا بين القادة الأوروبيين أنفسهم، فبينما يرحّب البعض بقدر أكبر من الاستقلال، يخشى آخرون من ثغرات في التحالف أو تراجع الردع الجماعي الذي شكّل الركيزة الأساسية لأمن القارة لعقود طويلة..
لكن :
بالمحصلة، فإن نقل أعباء أمن الناتو إلى أوروبا ليس مشروعًا بسيطًا أو فوريًا، بل عملية معقدة تتطلب إرادة سياسية تضامنية، وتنسيقًا استراتيجيًا وتطوير بنى دفاعية متكاملة تُبقي على قوة الحلف دون أن تُنهي دوره، رغم الخلافات حول مدى التوازن المطلوب بين واشنطن وشركائها الأوروبيين...
الخلاصة :
السياسة الأمنية التي تتبناها إدارة ترمب حاليًا تدفع نحو تحوّل نوعي في طبيعة حلف الناتو، يضع أوروبا أمام مسؤولية أكبر في الدفاع عن أمنها التقليدي، بينما يعيد تحديد أولويات واشنطن في عالم يتجه نحو منافسة على نطاق أوسع، خصوصًا في آسيا والأميركيتين، وهذا التغيير ليس مجرد شعار، بل يعكس خريطة جديدة للتزامات الأعضاء داخل الحلف، تتطلب من الأوروبيين أن يصبحوا جهات فاعلة أكثر قوة واستقلالًا في الأمن والدفاع الجماعي.