
ترمب في بكين: التجارة أولاً.. والنووي وتايوان في قلب التفاوض
وصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الصينية بكين في زيارة رسمية تُعد الأولى لرئيس أميركي إلى الصين منذ عام 2017، وسط اهتمام دولي واسع وترقب لما قد تسفر عنه القمة المرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينج، في ظل تصاعد التوترات الاقتصادية والاستراتيجية بين أكبر قوتين في العالم.
وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للإدارة الأميركية، إذ يسعى ترمب إلى تحقيق اختراق اقتصادي وسياسي ينعكس على موقعه الداخلي، خصوصاً مع استمرار الضغوط المرتبطة بالحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية والسياسية.
استقبال رسمي ورسائل سياسية
حظي ترمب باستقبال رسمي واسع في مطار بكين الدولي، تقدمه نائب الرئيس الصيني هان تشينج، موفد الرئيس الصيني، في خطوة عُدت رسالة سياسية تعكس أهمية الزيارة بالنسبة لبكين.

وشملت مراسم الاستقبال سجادة حمراء وفرقة موسيقية عسكرية وحرس شرف، إلى جانب مشاركة مئات الشبان والأطفال الصينيين الذين لوّحوا بالأعلام الأميركية والصينية ورددوا عبارات الترحيب.
كما تصدر وسم “مرحباً بترمب في الصين” منصات التواصل الاجتماعي الصينية بالتزامن مع وصوله، في مشهد يعكس اهتماماً شعبياً وإعلامياً بالزيارة، رغم استمرار التنافس الحاد بين البلدين في ملفات التجارة والتكنولوجيا والنفوذ الدولي.
التجارة تتصدر جدول الأعمال
ورغم ثقل الملفات السياسية المطروحة، فإن التجارة تبدو العنوان الأبرز للقمة الأميركية الصينية. فقد أعلن ترمب أن أول مطالبه من شي جين بينج سيكون فتح الأسواق الصينية بشكل أكبر أمام الشركات الأميركية، معتبراً أن توسيع حضور هذه الشركات داخل الصين يمثل خطوة أساسية لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وتأمل واشنطن في التوصل إلى تفاهمات اقتصادية جديدة تمنع اندلاع حرب تجارية جديدة، بعد سنوات من التصعيد المتبادل في الرسوم الجمركية والإجراءات الاقتصادية، والتي أثرت بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.
كما تبحث الإدارة الأميركية إنشاء آلية دائمة للحوار التجاري بين البلدين لمعالجة الخلافات الاقتصادية بشكل مستمر، في محاولة لتخفيف التوتر الذي طبع العلاقات الثنائية خلال الأعوام الأخيرة.
تايوان والملف النووي
في المقابل، تحضر الملفات الاستراتيجية بقوة على طاولة المباحثات، وفي مقدمتها قضية تايوان، إذ شددت الصين قبيل الزيارة على أن موقفها الرافض لاستقلال الجزيرة “راسخ كالصخرة”، في رسالة مباشرة إلى واشنطن التي تواصل دعمها السياسي والعسكري لتايبيه.
ومن المنتظر أيضاً أن يطرح ترمب فكرة اتفاق نووي ثلاثي يضم الولايات المتحدة والصين وروسيا، يهدف إلى وضع قيود جديدة على الترسانات النووية للدول الثلاث، بعد انتهاء معاهدة “نيو ستارت” التي كانت تمثل آخر إطار قانوني ينظم الأسلحة النووية الاستراتيجية بين واشنطن وموسكو.
غير أن فرص نجاح هذا الطرح تبدو محدودة، في ظل تحفظ الصين المستمر على الدخول في اتفاقات من هذا النوع، واعتبارها أن ترسانتها النووية ما تزال أقل بكثير من الترسانتين الأميركية والروسية.
إيران في صلب المحادثات
وأكد ترمب أنه سيجري مباحثات مطولة مع شي جين بينج بشأن الحرب على إيران، وهو ما يعكس اتساع نطاق القمة ليشمل ملفات الشرق الأوسط، خصوصاً مع تنامي الدور الصيني في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي.
ويرى مراقبون أن واشنطن تسعى إلى اختبار إمكانية قيام بكين بدور أكبر في احتواء التصعيد الإقليمي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع أطراف متعددة في الشرق الأوسط.
بين التنافس والتفاهم
ورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالزيارة، فإن العلاقات الأميركية الصينية ما تزال محكومة بتوازن دقيق بين التعاون والصراع. فالبلدان يرتبطان بأكبر علاقة اقتصادية في العالم، لكنهما في الوقت ذاته يخوضان منافسة مفتوحة على النفوذ العالمي والتفوق التكنولوجي والعسكري.
ولهذا تبدو زيارة ترمب إلى بكين محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين القوتين العظميين، ومنع انزلاقها نحو مواجهة أوسع قد تكون لها تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي.