--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

على حافة الانفجار الكبير: حين تتحوّل المواجهة إلى حرب إعادة تشكيل المنطقة

Salah Kirata • ٢٨‏/٢‏/٢٠٢٦

6165.jpg

على حافة الانفجار الكبير: حين تتحوّل المواجهة إلى حرب إعادة تشكيل المنطقة

لم تعد المواجهات الدائرة في الشرق الأوسط تُقرأ بوصفها جولات ضغط متبادلة أو رسائل قوة محدودة السقف، بل باتت أقرب إلى مسار تصادمي مفتوح تُختبر فيه حدود الردع التقليدي، ويُعاد فيه تعريف معنى “النصر” ذاته. الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في اندلاع حرب واسعة، بل في طبيعتها المتوقعة: حرب لا تعترف بالخطوط الحمراء القديمة، ولا تتقيد بجغرافيا محددة، ولا تُدار بمنطق الاحتواء، بل بمنطق الحسم وإعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم.

خلال العقود الماضية، نجحت القوى المتصارعة في إدارة صراعاتها عبر توازن هشّ يقوم على الضربات المحدودة وتفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة. كانت الحروب تُدار غالبًا تحت سقف “الرسائل النارية”، حيث يُصاب الطرف الآخر من دون كسر قواعد اللعبة بالكامل. غير أن التحول الأخطر اليوم يتمثل في انتقال الخطاب من كبح النفوذ إلى السعي لإحداث تغيير جذري في بنية القوة لدى الخصم. هذا التحول وحده كفيل بنقل المنطقة من منطق الردع إلى منطق كسر التوازن، حيث تصبح أدوات الحرب مفتوحة على أقصى درجات التصعيد.

في هذا السياق، تراهن القيادة الإسرائيلية، وعلى رأسها ، على أن ضربة واسعة وقاسية قد تمنح تل أبيب تفوقًا إقليميًا طويل الأمد وتُخرجها من دائرة الاستنزاف المزمن. في المقابل، تميل واشنطن، بقيادة ، إلى تقديم أي تصعيد كبير باعتباره خطوة “مؤلمة لكنها ضرورية” لإعادة فرض الاستقرار وفق رؤية تقوم على إحداث صدمة استراتيجية تُعيد ترتيب الأوراق. غير أن هذا الرهان يصطدم بتجربة طويلة في المنطقة تقول إن الحروب التي تُبنى على وهم الحسم السريع غالبًا ما تنقلب إلى مستنقعات سياسية وأمنية تُرهق الداخل الأميركي وتستنزف حلفاءه.

الطرف الآخر في المعادلة لا يرى في المواجهة مع صراعًا عسكريًا محدود الأهداف، بل معركة تمسّ جوهر التوازنات التي بنتها طهران خلال سنوات عبر شبكة نفوذ ممتدة في أكثر من ساحة. لذلك، فإن أي ضربة تُقرأ في طهران على أنها تهديد لبنية النظام الإقليمي الذي نسجته ستُواجَه بمنطق مختلف: توسيع رقعة الاشتباك، نقل المعركة إلى ساحات متعددة، واستخدام أدوات غير تقليدية من الحرب السيبرانية إلى الضغط على خطوط الملاحة والطاقة. هذا لا يعني السعي إلى حرب شاملة بقدر ما يعني رفع كلفة الاستهداف إلى مستوى يُفقد الخصم القدرة على الادّعاء بأنه يخوض معركة نظيفة وسريعة.

الأخطر في هذه اللحظة التاريخية أن أطراف الصراع تتعامل معها بوصفها مواجهة وجودية لا جولة تفاوض بالقوة. حين يصبح الصراع مسألة بقاء أو زوال نفوذ، تتراجع فرص التسوية، ويرتفع سقف المخاطرة، وتُصبح القرارات أكثر اندفاعًا وأقل عقلانية. هنا لا تعود حسابات الكلفة البشرية والاقتصادية رادعًا كافيًا، بل تتحول إلى “ثمن مقبول” في سبيل تثبيت موقع أو إسقاط آخر. ومع كل يوم يمرّ دون أفق سياسي واضح، تتآكل فرص العودة إلى منطق الردع التقليدي الذي كان يمنع الانفجار الشامل.

تاريخ المنطقة القريب يعلّمنا أن الحروب التي تبدأ تحت شعار “إنهاء التهديد” نادرًا ما تُنهيه فعليًا، بل غالبًا ما تُعيد إنتاجه بصيغ أشد تعقيدًا. الاستنزاف الطويل يخلق ديناميات جديدة: ضغطًا داخليًا على صانعي القرار في العواصم الكبرى، تآكلًا في شرعية الخيارات العسكرية، وانفتاحًا لساحات هشّة على مزيد من التفكك والفوضى. ومع اتساع رقعة النار، تتضاعف احتمالات الخطأ في الحسابات، ويغدو حادث محدود قادرًا على إشعال سلسلة تصعيد لا يمكن التحكم بمسارها.

الخلاصة أن المنطقة تقف أمام منعطف بالغ الخطورة: إما العودة إلى منطق إدارة الصراع تحت سقف الردع، وإما الانزلاق إلى حرب إعادة تشكيل إقليمي لا رابح فيها بالمعنى الحقيقي. فالحروب التي تُخاض بذهنية “كسر الخصم” لا تنتهي عادة بكسر واحد، بل بتكسّر المنطقة بأكملها، وتراكم ندوب استراتيجية يصعب محوها لعقود.