
على حافة الانفجار: المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية بين وهم النصر وخطر الحرب
دخلت المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية مرحلة بالغة الحساسية، بعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرد الإيراني، وإصراره على تقديم صورة “نصر سياسي” مكتمل، حتى ولو كان ذلك عبر شروط قصوى تدرك واشنطن نفسها أنها غير قابلة للتطبيق من جانب طهران.
تتعامل الإدارة الأميركية مع مسار التفاوض وكأنها خرجت من مواجهة حاسمة حُسمت لصالحها، وتسعى إلى ترجمة هذا التصور إلى مكاسب سياسية مباشرة، أبرزها فرض قيود شاملة على البرنامج النووي الإيراني وصولًا إلى تفكيكه الكامل. غير أن هذا الطرح، في سياقه الواقعي، يتجاوز حدود التفاوض إلى منطق الإخضاع، وهو ما يجعل فرص قبوله محدودة للغاية.
القراءة السياسية لمسار التصعيد، خصوصًا بعد الحربين اللتين اندلعتا في 12 حزيران 2025 و28 شباط 2026، تشير إلى أن إيران لم تُبدِ في أي مرحلة قابلية للتراجع تحت الضغط العسكري أو الاقتصادي، بل ذهبت في اتجاه تعزيز تمسكها بخياراتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها تطوير قدراتها الدفاعية والصاروخية، والحفاظ على برنامجها النووي الذي تصفه بالسلمي وتستند فيه إلى قواعد القانون الدولي.
في هذا السياق، يتحول الإصرار الأميركي على نزع هذه القدرات إلى عامل دفع مباشر نحو مزيد من التوتر، بدل أن يكون مدخلًا لتسوية سياسية مستقرة.
وتكشف المشاورات المتواصلة بين ترامب ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مستوى التأثير الإسرائيلي في صياغة الموقف الأميركي. فنتنياهو، الذي يواجه ضغوطًا داخلية متصاعدة من ملفات قضائية وأزمات سياسية ومعارضة يقودها يائير لابيد، يجد في التصعيد الخارجي وسيلة لإعادة ترتيب موقعه الداخلي، ولو عبر توسيع دائرة المواجهة الإقليمية.
هذا التداخل بين الحسابات الداخلية الإسرائيلية والقرار الأميركي يضعف هامش التهدئة، ويُبقي خيار التصعيد حاضرًا بقوة في خلفية المشهد.
لكن في المقابل، يطرح هذا الواقع سؤالًا مركزيًا: إلى أي مدى يمكن لواشنطن أن تندفع خلف الأجندة الإسرائيلية، متجاهلة التحفظات الإقليمية والدولية المتزايدة تجاه أي حرب جديدة في المنطقة؟
فدول محورية مثل باكستان وتركيا عبّرت بوضوح عن رفضها لأي تصعيد عسكري ضد إيران، إدراكًا منها لحجم التداعيات الأمنية والاقتصادية التي قد تطال الإقليم بأسره. كما أن جزءًا واسعًا من المجتمع الدولي بات ينظر إلى أي مواجهة جديدة باعتبارها امتدادًا لحسابات إقليمية أكثر منها ضرورة مرتبطة بالأمن الدولي.
في المقابل، تؤكد طهران أنها منفتحة على تسوية سياسية شاملة وعادلة، لكنها ترفض الدخول في تفاهمات تنتقص من سيادتها أو تعيد إنتاج تجارب سابقة تعتبرها قائمة على الخداع وعدم التوازن. وتضع إيران برنامجها النووي في إطار حق سيادي غير قابل للمساومة، وفق رؤيتها السياسية والأمنية.
كما تشدد القيادة الإيرانية على أن ملف العقوبات الممتد منذ عقود، وتجميد الأصول المالية، يمثلان جزءًا لا يمكن تجاهله في أي تسوية مستقبلية، إذ ترى أن استمرار الضغط الاقتصادي بهذا الشكل يجعل أي حديث عن “اتفاق مستدام” غير مكتمل الأسس.
أمام هذا المشهد، تبدو إيران مستعدة لكل السيناريوهات. فخبرتها الممتدة مع العقوبات والعزلة والضغوط العسكرية جعلتها، وفق تقديرها، تميل إلى خيار “التحمل الاستراتيجي” بدل تقديم تنازلات جوهرية تحت التهديد. وتستند في ذلك إلى عناصر قوة جيوسياسية حساسة، أبرزها موقعها المتصل بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة والتجارة العالمية.
في المقابل، لا يُستبعد أن تلجأ واشنطن إلى خيار الضربات المحدودة إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، على أن تُقدَّم لاحقًا كإنجاز سياسي يعيد رسم قواعد الاشتباك، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن هذا السيناريو، حتى لو تحقق، لا يضمن تغييرًا حقيقيًا في موازين القوى بقدر ما قد يفتح الباب أمام جولات جديدة من التصعيد.
كما يظل خيار الاستمرار في التفاوض مطروحًا، رغم كلفته السياسية على الإدارة الأميركية داخليًا، في ظل تصاعد الأصوات الرافضة لتورط جديد في حروب الشرق الأوسط، خاصة مع ارتباط ذلك بتداعيات اقتصادية مباشرة، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الضغوط المعيشية.
في المحصلة، لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد خلاف تقني حول البرنامج النووي، بل تعبيرًا عن صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي وحدود النفوذ في الشرق الأوسط. وبين منطق الإملاءات ومنطق السيادة، تبقى فرص التسوية الحقيقية مرهونة بقدرة الأطراف على مغادرة الحسابات الصفرية، والاعتراف بأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بتوازن المصالح لا بتصادمها.