
على حافة الهاوية: حين يصبح الشرق الأوسط رهينة قرارات النار
في كل مرة يشتعل فيها فتيل مواجهة كبرى في الشرق الأوسط، يبدو المشهد وكأنه تكرارٌ لمسرحية قديمة بنصّ جديد: تصريحات نارية، ضربات محسوبة، ردود فعل محسوبة أكثر، ثم انزلاق تدريجي نحو مساحة رمادية لا هي حرب شاملة ولا سلامٌ ممكن. غير أن ما يجري اليوم، بعد أن بدأت الضربات العسكرية بالفعل وتحوّلت المواجهة إلى واقعٍ ميداني مفتوح بين و من جهة، و من جهة أخرى، لا يبدو مجرّد فصل عابر في كتاب التوترات المزمنة؛ بل أقرب إلى اختبار قاسٍ لقدرة المنطقة والعالم على تفادي الانزلاق الكبير نحو المجهول.
ليست الضربات العسكرية في ذاتها هي ما يثير القلق الأكبر، فالتاريخ الحديث للمنطقة حافلٌ بجولات عنفٍ متقطّعة، بعضها كان أعنف مما نراه اليوم. القلق الحقيقي يكمن في منطق اللحظة: منطق يقول إن إدارة الأزمات يمكن أن تُستبدل بإدارتها بالنار، وإن “الردع” قد أصبح اليوم بديلاً عمليًا عن السياسة، وإن الرسائل الصاروخية باتت أبلغ من الرسائل الدبلوماسية. حينها، لا تعود الحرب حدثًا استثنائيًا، بل تتحوّل إلى أداة تواصل بين القوى المتصارعة.
في العمق، ليست هذه المواجهة صراعًا تقنيًا على منشأة هنا أو قاعدة هناك، ولا نزاعًا تكتيكيًا على جغرافيا محدودة. إنها صراع على شكل الإقليم ودور القوى فيه: من يرسم خطوط النفوذ؟ من يضع قواعد الاشتباك؟ ومن يملك حق تعريف “التهديد” و”الدفاع عن النفس”؟ هذه الأسئلة لا تُطرح في غرف المفاوضات بقدر ما تُفرض الآن على الأرض وفي الجو، عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ والضربات المتبادلة.
الخطير في هذا المشهد أن كل طرف يبدو مقتنعًا بأنه يتصرّف ضمن هامش “الضرورة”. كل ضربة تُقدَّم للرأي العام بوصفها خطوة وقائية، وكل ردّ يُسوَّغ باعتباره دفاعًا مشروعًا. وبين هذا وذاك، يتآكل المجال الرمادي الذي كان يتيح للوسطاء والدبلوماسية أن تلتقط الأنفاس وتعيد ترتيب أوراقها. هكذا، تتراجع السياسة خطوة إلى الوراء، وتتقدّم الحسابات العسكرية خطوتين إلى الأمام.
لكن ماذا عن المنطقة نفسها؟ ماذا عن الدول والمجتمعات التي تجد نفسها اليوم، ومع بدء الضربات فعلًا، في مرمى ارتدادات الصراع؟ الشرق الأوسط ليس ساحة شطرنج تُحرّك عليها القوى الكبرى بيادقها ثم تعيد ترتيب القطع بعد نهاية الجولة. هنا، كل اهتزاز في ميزان القوة يترجم فورًا إلى قلق اقتصادي، واضطراب أمني، وتراجع في فرص الاستقرار الهشّة أصلًا. أسعار الطاقة ترتجف مع كل صاروخ، وسلاسل الإمداد العالمية تتوتّر مع كل تهديد بإغلاق ممرّ بحري، وحياة المدنيين تصبح رهينة حسابات لا يد لهم فيها.
الأخطر من ذلك أن منطق “التصعيد المُدار” يحمل في داخله بذرة انفلاته. قد تبدأ الضربات محدودة ومحسوبة، لكنها وقد بدأت بالفعل، والخطأ البشري وارد، وسوء التقدير وارد، وحسابات الكرامة والردع قد تدفع الأطراف إلى تجاوز الخطوط التي تعهّدت سابقًا بعدم تجاوزها. التاريخ مليء بأمثلة لحروب لم تكن في نية أحد، لكنها اندلعت لأن سلسلة قرارات صغيرة تراكمت حتى انفجرت في وجه الجميع.
في هذه اللحظة الحرجة، يبدو العالم وكأنه يتعامل مع الأزمة بمنطق المراقب القَلِق أكثر من منطق الفاعل المسؤول. بيانات الإدانة والدعوة إلى “ضبط النفس” لا توقف الصواريخ التي انطلقت بالفعل، والرهان على أن الأطراف ستكتفي بجولة محدودة هو رهانٌ محفوف بالمخاطر. ما تحتاجه المنطقة ليس فقط وقفًا لإطلاق النار حين يشتدّ، بل إعادة تعريف لقواعد اللعبة نفسها: كيف يُدار الصراع بعد أن بدأ؟ وما هي الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها؟ وأي دور يمكن أن تلعبه السياسة قبل أن تفرض الحرب شروطها بالكامل؟
قد يبدو هذا الكلام مثاليًا في زمن تُصاغ فيه الوقائع بالقوة. لكن الواقعية الحقيقية اليوم ليست في الإقرار بحتمية التصعيد، بل في الاعتراف بأن كلفة الانزلاق الكبير ستكون فادحة على الجميع، بلا استثناء. لا منتصر حقيقيًا في حروب الإقليم، ولا طرف يخرج منها أنقى مما دخل. المنتصر الوحيد هو الفوضى، والخاسر الدائم هو الإنسان العادي الذي يستيقظ على أخبار القصف وينام على قلق الغد.
الشرق الأوسط يقف مجددًا على حافة الهاوية، لكن هذه المرّة فيما النار قد اشتعلت بالفعل. خطوة واحدة غير محسوبة قد تدفعه إلى السقوط في فراغ لا يُعرف مداه. وبين منطق النار ومنطق السياسة، لا يزال هناك متّسع ضيّق للعقل. السؤال الذي سيحدّد شكل المرحلة القادمة ليس: من سيضرب أكثر؟ بل: من يملك الشجاعة ليكسر الحلقة قبل أن تُطبق على أعناق الجميع؟
وسط استمرار الضربات العسكرية التي بدأت صباح اليوم، يظل التوتر في الشرق الأوسط عند أعلى مستوياته، مع مخاوف متزايدة من توسّع المواجهة. المنطقة الآن على فوهة بركان، وكل تحرك جديد قد يغير قواعد اللعبة بشكل جذري. الرهان على ضبط النفس السياسي يواجه اختبارًا صعبًا، فيما المدنيون والعالم يراقبون بقلق.