
على حافة الإشعاع: حين تتحول المنشآت النووية إلى رسائل حرب.
لم يعد الصراع في الشرق الأوسط يدور داخل حدود السياسة أو ساحات النفوذ التقليدية. ما يجري اليوم يتجاوز ذلك بكثير، إذ تُدفع المنطقة تدريجياً نحو منطقة رمادية شديدة الخطورة، حيث تصبح المنشآت النووية أهدافاً عسكرية محتملة، وحيث يمكن لأي خطأ حسابي أو ضربة غير دقيقة أن تفتح باباً لا يمكن إغلاقه.
التحذيرات الروسية من احتمال وقوع كارثة إشعاعية ليست مجرد موقف دبلوماسي أو جزء من تبادل الاتهامات المعتاد بين القوى الكبرى. إنها إشارة إلى مستوى جديد من التدهور في قواعد الاشتباك، حيث لم تعد هناك خطوط حمراء متفق عليها، أو على الأقل لم تعد محترمة كما في السابق. استهداف مواقع نووية، سواء كانت مرتبطة بالطاقة أو بأبحاث تخصيب أو إنتاج مواد حساسة، يعني عملياً اللعب في أخطر منطقة يمكن أن يعرفها أي صراع معاصر.
المفارقة أن هذه المنشآت، التي يفترض أنها خاضعة لأشد معايير الرقابة الدولية، باتت تُعامل كأهداف عسكرية في حسابات الردع والضغط. وهنا تتراجع فكرة “الأمن النووي” لصالح منطق القوة المجردة، وكأن العالم نسي أن أي خلل في هذه المعادلة لا يتوقف عند حدود دولة واحدة، بل يمتد أثره إلى الإقليم وربما أبعد بكثير.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال تسرب إشعاعي، بل في تطبيع فكرة ضرب المنشآت النووية نفسها. فحين يصبح هذا الفعل قابلاً للتكرار، يتحول إلى سابقة، والسوابق في مثل هذه الملفات لا تبقى محصورة، بل تُستدعى وتُقلَّد في صراعات أخرى، ما يفتح الباب أمام فوضى استراتيجية لا يمكن ضبطها لاحقاً.
الأكثر إثارة للقلق أن الخطاب الدولي ما زال يتعامل مع هذه التطورات بمنطق الإدانة اللفظية أو التحذير السياسي، في حين أن طبيعة الحدث تتطلب منظومة ردع ومحاسبة مختلفة تماماً. فالمسألة لم تعد خلافاً سياسياً بين أطراف متنازعة، بل تهديداً مباشراً لفكرة الاستقرار النووي العالمي التي بُنيت بعد عقود من الحروب والتجارب المريرة.
إن ما يحدث اليوم يعكس انتقال المنطقة من مرحلة “إدارة الصراع” إلى مرحلة “تفجير قواعده”. وكل ضربة تُوجَّه إلى منشأة حساسة لا تُقاس بنتائجها العسكرية فقط، بل بما تخلقه من سابقة خطيرة تُضعف منظومة الأمن الجماعي برمتها.
في النهاية، لا أحد يربح في لعبة الاقتراب من حافة الإشعاع. حتى من يظن أنه يحقق مكسباً تكتيكياً، قد يجد نفسه أمام خسارة استراتيجية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، وتدخل في نطاق لا يمكن احتواؤه: نطاق الكارثة الشاملة.