
الاعتذار الذي يصنع الفارق:
في السياسة، لا تُقاس اللحظات فقط بما يحدث فيها، بل بما تتركه في الذاكرة العامة من دلالات. وبعض المشاهد، مهما اختلفت الأزمنة والوجوه، تعود لتذكّر الناس بأن السلطة ليست مجرد أوامر وخطب وشعارات، بل قدرة على الإصغاء والاعتراف والاعتذار حين تُرتكب الأخطاء...
يقال إن “الشيء بالشيء يُذكر”، ولعل الذاكرة السورية تختزن واحدة من أكثر اللحظات غرابة ودلالة في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حين أمر رفعت الأسد، الرجل الأقوى يومها بعد شقيقه، عناصر اتحاد شبيبة الثورة الذين كانوا يتبعون دورة قفز مظلي في ألوية سرايا الدفاع، بأن ينزعوا أغطية الرأس عن السيدات في شوارع دمشق. لم يكن الأمر مجرد تصرف عابر أو “استعراض قوة” كما حاول البعض تصويره لاحقًا، بل كان صدمة اجتماعية حقيقية مست وجدان مدينة محافظة تعرف معنى الكرامة الشخصية والخصوصية الاجتماعية...
يومها اهتز الشارع الدمشقي غضبًا وذهولًا، وشعر كثيرون أن ثمة سلطة تحاول فرض سلوكها بالقوة على المجتمع، لا أن تحكمه بالتفاهم والاحترام. وفي حفل تخريج مظليي الشبيبة، وقف حافظ الأسد ليقول عبارته الشهيرة التي بقيت عالقة في الذاكرة:
“لو أني أعرف النسوة اللواتي أسيء إليهن لقمت بنفسي مقدّمًا الاعتذار”.
كنت حاضرًا هناك، في المكان ذاته، أجلس في الصفوف التي تلي الصف الأول حيث كان يجلس حافظ الأسد ورفعت الأسد وكبار المسؤولين وأعضاء القيادة القطرية للحزب. أتذكر جيدًا وقع العبارة على الحاضرين، ليس لأنها غيّرت طبيعة النظام أو مسار السلطة، بل لأنها حملت اعترافًا نادرًا بأن كرامة الناس ليست تفصيلًا صغيرًا يمكن تجاهله...
الاعتذار في ثقافتنا السياسية العربية لم يكن يومًا سلوكًا مألوفًا. السلطة اعتادت أن تتحدث من علٍ، وأن تعتبر التراجع ضعفًا، والاعتراف بالخطأ انتقاصًا من الهيبة. لذلك بقيت تلك الجملة، رغم بساطتها، حدثًا استثنائيًا في ذاكرة السوريين...
ويوم أمس، عاد المشهد بطريقة مختلفة تمامًا، وبفارق كبير في الظرف والزمان والمكان والرجال. عاد لا بوصفه استعادة للماضي، بل بوصفه تذكيرًا بأن الشعوب لا تنسى اللغة التي تخاطَب بها...
حين اعتذر الرئيس الشرع لأبناء الشعب السوري وأهله، لم يكن يقدّم مجرد عبارة بروتوكولية للاستهلاك الإعلامي، بل كان يلامس حاجة عميقة لدى السوريين الذين أنهكتهم سنوات القسوة والإنكار والاستعلاء السياسي. فالشعوب التي تتعرض للألم لا تنتظر المعجزات بقدر ما تنتظر الاعتراف بإنسانيتها...
قد يختلف الناس في السياسة، وفي تقييم الرجال والعهود والقرارات، لكن ما لا يختلف عليه العقلاء هو أن الاعتذار ليس هزيمة. الاعتذار قوة أخلاقية، ورسالة تقول إن الدولة ليست معصومة، وإن الحاكم ليس فوق الناس، وإن كرامة المواطن يجب أن تبقى فوق الحسابات الضيقة...
في الدول الحية، الاعتذار الرسمي جزء من ثقافة الحكم الرشيد. رؤساء دول كبرى وقفوا أمام شعوبهم ليعتذروا عن أخطاء ارتُكبت، لأنهم فهموا أن الاحترام يُبنى بالصدق لا بالمكابرة. أما في منطقتنا، فقد اعتادت الأنظمة أن تُراكم الأخطاء ثم تُراكم فوقها الصمت، حتى صار الاعتذار حدثًا استثنائيًا يستحق التوقف عنده...
ربما لهذا السبب بدا مشهد الأمس مختلفًا في وجدان كثير من السوريين. ليس لأن الاعتذار وحده يكفي لتغيير الواقع، ولا لأنه يمحو الآلام الثقيلة، بل لأنه يعيد التذكير بفكرة أساسية: أن الشعوب تريد من يسمعها، لا من يخطب فوقها فقط...
التاريخ لا يتوقف طويلًا عند الشعارات، بل عند اللحظات الإنسانية الفارقة. وفي ذاكرة السوريين، ستبقى دائمًا مساحة خاصة لتلك اللحظات التي شعروا فيها أن السلطة، ولو لثوانٍ، تحدثت إليهم بوصفهم بشرًا لهم كرامة ومشاعر وحق في الاحترام.