--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

العبور السوري: لماذا تحتاج المرحلة الانتقالية إلى “عقلٍ جماعي” يحرسها

Salah Kirata • ١‏/٥‏/٢٠٢٦

28821.png

العبور السوري: لماذا تحتاج المرحلة الانتقالية إلى “عقلٍ جماعي” يحرسها؟

حين تنتهي حقبة حكم طويل قائم على القبضة الأمنية والاحتكار السياسي، لا تكون اللحظة التالية مجرد تغيير في السلطة، بل بداية فراغ واسع تتداخل فيه المخاوف مع الطموحات، وتتصادم فيه ذاكرة القمع مع آمال التغيير. في مثل هذا السياق، لا يكفي أن تتشكل حكومة جديدة أو أن تُرفع شعارات الإصلاح، لأن التحدي الحقيقي يبدأ بعد سقوط النظام، لا قبله.

في الحالة السورية، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن إدارة مرحلة انتقالية مثقلة بالدمار والانقسام وإرث طويل من الاستبداد، من دون الانزلاق إلى الفوضى أو إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة؟ هنا تبرز فكرة “الحارس الانتقالي” بوصفها آلية مجتمعية أكثر منها سياسية، تقوم على شبكة واسعة من القوى المهنية والمدنية والحقوقية، تعمل خارج منطق السلطة لكنها ليست في حالة عداء معها.

هذا الحارس لا يشبه المعارضة التقليدية التي تكتفي بالرفض أو المراقبة من الخارج، بل يشبه “ضميرًا جماعيًا حيًا” يتابع تفاصيل العمل العام لحظة بلحظة. فهو يدعم كل خطوة إصلاحية حقيقية، ويكشف الانحرافات قبل أن تتحول إلى مسار دائم، ويمنع تكرار أنماط الفساد أو إعادة تدوير رموز النظام القديم تحت عناوين جديدة.

تجارب الانتقال السياسي في العالم تقدم شواهد مهمة على هذه الفكرة. في بولندا، لعبت الحركة النقابية المستقلة دورًا محوريًا في ضبط إيقاع التحول من النظام الشيوعي، حيث لم تكن مجرد معارضة، بل قوة اجتماعية ساهمت في حماية المجتمع من الانهيار أثناء إعادة التشكل السياسي. أما في تونس، فقد استطاعت منظمات مدنية ونقابية وحقوقية أن تشكل توازنًا دقيقًا بين الدولة والمجتمع خلال مرحلة ما بعد 2011، ما ساعد على تجنب انهيار شامل رغم شدة التوترات السياسية.

وفي ألمانيا، ساهمت آليات الحوار المجتمعي في المرحلة التي سبقت وبعد سقوط الجدار في ضبط عملية الانتقال، خصوصًا في إدارة تفكيك أجهزة الدولة الأمنية وإعادة بناء المؤسسات. أما في إندونيسيا، فقد لعبت شبكات غير مركزية من الطلاب والقانونيين والإصلاحيين دورًا في منع الانفجار الشامل بعد سقوط النظام السلطوي، عبر الضغط المنظم نحو إصلاحات تدريجية.

هذه النماذج لا تقدم وصفة جاهزة، لكنها تكشف أن نجاح التحولات الكبرى لا يعتمد فقط على النوايا السياسية، بل على وجود بنية مجتمعية قادرة على المراقبة والتوجيه والتصحيح.

في الحالة السورية، تتضاعف الحاجة إلى مثل هذا الدور لعدة أسباب. أولها حجم الدمار الهائل الذي خلفه الصراع، وما يرافقه من عمليات إعادة إعمار تتطلب موارد ضخمة قد تتحول إلى بيئة خصبة للفساد إن غابت الرقابة المجتمعية الفاعلة. ثانيها استمرار حضور شبكات المصالح المرتبطة بالنظام السابق، والتي قد تعيد التموضع داخل الاقتصاد والمؤسسات تحت مسميات جديدة، ما يجعل مسألة تفكيك الإرث القديم معركة طويلة وليست لحظة واحدة.

أما السبب الثالث فيتعلق بالبنية الثقافية والاجتماعية التي تشكلت خلال عقود من الخوف والولاء القسري، حيث لا يمكن تغيير أنماط السلوك العام بمجرد إصدار قوانين، بل يحتاج الأمر إلى عمل تراكمي طويل يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. وفي السياق نفسه، يظل خطر الفساد الإداري والسياسي حاضرًا بقوة، خصوصًا في المراحل الأولى حيث تكون المؤسسات ما تزال هشة وغير مستقرة.

غياب هذا النوع من الحارس المجتمعي في تجارب عربية سابقة أدى إلى نتائج معاكسة. ففي مصر بعد 2011، أدت هشاشة التوازن بين الدولة والمجتمع إلى عودة نمط سلطوي أكثر صلابة. وفي ليبيا، فتح ضعف المؤسسات المدنية المجال أمام تفكك الدولة وتعدد مراكز القوة. أما في اليمن، فقد ساهم انهيار الإطار الجامع في تحويل الصراع السياسي إلى حرب مفتوحة ذات أبعاد إقليمية معقدة.

من هنا، لا تبدو فكرة الحارس الانتقالي ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية واجتماعية. فهو ليس بديلاً عن الدولة، ولا سلطة موازية، بل آلية توازن تمنع الانحراف وتدفع نحو بناء مؤسسات أكثر شفافية. ويمكن أن يتجسد في اتحاد نقابات مستقلة، ومجالس محلية منتخبة، وهيئات خبراء اقتصاديين، ومراكز حقوقية قادرة على التوثيق والمساءلة، ضمن شبكة مرنة لا مركزية، تتدخل عندما يلزم وتنسحب عندما تستقر المؤسسات.

وظيفته الأساسية تقوم على أربع ركائز: مراقبة الأداء العام بشفافية، الضغط السلمي لتصحيح المسار، تقديم بدائل إصلاحية عملية، ومنع القرارات الارتجالية التي قد تهدد الاستقرار. وهو بذلك يعمل كمساحة وسيطة بين الدولة والمجتمع، لا تلغي أحدهما ولا تسمح لأحدهما بالهيمنة المطلقة.

لكن الأهم من ذلك أن هذا الحارس ليس مشروعًا دائمًا. وجوده مرتبط بمرحلة انتقالية محددة، يفترض أن يتراجع تدريجيًا مع نضوج المؤسسات واستقلال القضاء وترسيخ قواعد المحاسبة. غير أن غيابه في السنوات الأولى قد يكون مكلفًا للغاية، لأنه يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الأخطاء نفسها التي أدت إلى الانهيار الأول.

إن سوريا الخارجة من واحدة من أعقد الحروب في تاريخها الحديث، تقف أمام لحظة تأسيسية حاسمة. إما أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لبناء عقد اجتماعي جديد قائم على التوازن والمساءلة، أو أن تنزلق إلى إعادة تدوير الفوضى بأشكال مختلفة. وفي هذا المفترق تحديدًا، تصبح فكرة العقل الجماعي الحارس ليست مجرد خيار نظري، بل شرطًا من شروط العبور الآمن نحو دولة أكثر استقرارًا وعدالة.