
العدالة المؤجلة، هي وقود الفوضى القادمة في سورية:
ليست المشكلة في سوريا اليوم فقط ما جرى، بل ما لم يُحسم بعد. فكل الدم الذي سُفك، وكل المدن التي احترقت، وكل الأرواح التي أُزهقت، لا يمكن أن تُطوى صفحتها بمجرد الصمت أو القفز فوقها تحت أي ذريعة سياسية أو واقعية. الحقيقة الواضحة، والتي لا يمكن الهروب منها، أن غياب العدالة الانتقالية، أو تأخيرها—سواء بقصد أو نتيجة حسابات معقدة—هو القنبلة الموقوتة التي تهدد ما تبقى من استقرار.
لا يمكن بناء دولة على جراح مفتوحة. ولا يمكن الحديث عن مصالحة بينما المجرمون أحرار، معروفون بالاسم، ويتحركون بلا مساءلة. من غير المقبول أن تبقى شخصيات ارتبطت بشكل مباشر بالعنف والتنكيل، مثل عصابة الحوت في صيدنايا أو عصابة نابل العبدالله في السقيلبية، خارج أي إطار محاسبة قانونية واضحة وصريحة. المسألة هنا ليست انتقاماً، بل ضرورة أخلاقية وقانونية لحماية المجتمع نفسه من إعادة إنتاج العنف.
وفي المقابل، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل الغضب المشروع إلى كراهية عمياء. لا يجوز أن تُدان مدن بكاملها بسبب أفعال مجرمين محددين معروفين بأسمائهم الثلاثية. هذا الانزلاق هو بالضبط ما يغذي دورة العنف ويمنع أي فرصة حقيقية لبناء دولة عادلة. “فلا تزر وازرة وزر أخرى” ليست مجرد عبارة، بل قاعدة تأسيسية لأي عدالة حقيقية.
المسؤولية هنا تقع أولاً وأخيراً على عاتق السلطة. فهي الجهة الوحيدة القادرة على فرض القانون، واحتكار السلاح، وإعادة تعريف معنى الدولة. لا يمكن القبول باستمرار السلاح المنفلت، ولا بوجود مجموعات مسلحة خارج إطار الجيش والشرطة. أي تهاون في هذا الملف يعني ببساطة إبقاء البلاد رهينة للفوضى.
والأخطر من السلاح، هو الخطاب. التحريض الطائفي، حتى لو كان عبر منشور على فيسبوك، ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو الشرارة التي تشعل الحرائق. لذلك، فإن تجريم هذا الخطاب بشكل واضح وصارم ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية.
العدالة الانتقالية ليست ترفاً، وليست بنداً يمكن تأجيله إلى حين “استقرار الأوضاع”. هي شرط هذا الاستقرار. بدونها، سنبقى ندور في حلقة مغلقة من الخوف، والانتقام، وانعدام الثقة.
إما أن تُفتح ملفات الماضي بجرأة وعدالة، أو سيبقى الماضي مفتوحاً علينا جميعاً.