
العدالة في مرآة الذاكرة…
حين تتحول المحاكمات إلى ساحة تأثير وتتصادم الصورة مع القانون:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
في لحظة سورية بالغة الحساسية، يتزامن بدء المحاكمات العلنية المرتبطة بمسار العدالة الانتقالية مع موجة واسعة من تداول الفيديوهات والشهادات المصوّرة التي يُقال إنها توثّق انتهاكات ووقائع من سنوات الصراع، هذا التزامن، سواء كان عفوياً أو جزءاً من ديناميات أعمق وأكثر تعقيداً، يفتح باباً واسعاً لإعادة طرح سؤال العدالة ذاته:
- هل نحن أمام مسار قضائي يسعى إلى ترميم الحقيقة؟..
- أم أمام لحظة تتداخل فيها العدالة مع الصراع على الوعي العام وتشكيل الرأي العام؟..
في هذا السياق، برزت محاكمة العميد عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا سابقاً، بوصفها إحدى اللحظات الرمزية المرتبطة ببداية الأحداث التي اتسع بعدها المشهد السوري إلى نزاع طويل ومعقد، كما طُرحت في المشهد نفسه محاكمات غيابية تطال أسماء سياسية وعسكرية بارزة، من بينها بشار الأسد وماهر الأسد، إلى جانب متهمين آخرين، في ملفات شديدة الحساسية يُنظر إليها بوصفها محاولة لإعادة تفكيك بنية المسؤولية عن سنوات الحرب...
وبالتوازي مع ذلك، شهدت الساحة الإعلامية تدفقاً لافتاً لمقاطع فيديو وشهادات مصوّرة، توثّق وقائع صادمة من مراحل مختلفة من النزاع، وأعادت إلى الواجهة ذاكرة الألم السوري بكل ثقلها. هذا التزامن بين قاعة المحكمة وشاشة الهاتف لم يمر كحدث تقني أو إعلامي عابر، بل فتح نقاشاً أعمق حول العلاقة بين العدالة، والإعلام، والذاكرة، وحدود كل منها في لحظة سياسية وقضائية شديدة الحساسية...
لكن ما يجب التوقف عنده هنا ليس فقط سؤال هو:
- هل هناك رابط زمني أو تزامن؟.
بل سؤال أكثر تعقيداً:
- هل نحن أمام محاولة تأثير على مسار العدالة نفسه؟..
من منظور تحليلي، لا يمكن إغفال احتمال أن يكون تدفق المواد المصوّرة جزءاً من ديناميات أوسع لا تقتصر على التوثيق أو الاستعادة العفوية للذاكرة، فهناك فرضية جدية تقول إن مثل هذه اللحظات قد تُستخدم—سواء من داخل السلطة أو من أطراف أخرى—كأداة لإعادة تشكيل المزاج العام، أو توجيه الانتباه، أو حتى التأثير غير المباشر على بيئة المحاكمات...
فمن جهة، قد تجد السلطة أو بعض مراكز النفوذ مصلحة في دفع الرأي العام نحو حالة تعبئة عاطفية حول فكرة العدالة، بما يخلق اصطفافاً شعبياً داعماً لمسار قضائي معين أو لنتائجه، ومن جهة أخرى، قد تسعى أطراف متضررة أو معارضة إلى تكثيف الضغط الإعلامي عبر تضخيم الأثر العاطفي للفيديوهات، بهدف تحويل المحاكمات من مسار قانوني منضبط إلى ساحة رأي عام ضاغطة، تُثقل على القضاء وتدفعه نحو أحكام مسبقة أو اتجاهات محددة...
وفي كلتا الحالتين، فإن النتيجة واحدة من حيث الأثر البنيوي:
"تحويل العدالة من مسار قانوني إلى ساحة صراع على الوعي والتأثير"...
عموماً:
في الإطار القانوني الصرف، تقوم العدالة الانتقالية على أربعة أعمدة: " كشف الحقيقة، المحاسبةجبر الضرر، وضمان عدم التكرار"
وهي عملية لا يمكن أن تنجح إذا تم إخضاعها لضغط الصورة أو الانفعال العام أو التوظيف السياسي والإعلامي، فالمحاكمة، سواء كانت حضورية أو غيابية، تظل محكومة بمعايير الإثبات، وقرينة البراءة، وحق الدفاع، لا بموجات التأثير الإعلامي أو الزخم العاطفي...
لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن العدالة اليوم تُمارس داخل بيئة إعلامية شديدة الانفتاح، حيث لم تعد الدولة أو القضاء وحدهما من يتحكم في تدفق المعلومات، بل أصبحت المنصات الرقمية جزءاً من تشكيل “المشهد القضائي العام”، بما تحمله من قدرة على إعادة تدوير الذاكرة، وإعادة إنتاج الصور، وتكثيف الانفعال الجمعي في زمن قياسي...
ومن هنا تنشأ إحدى أخطر الإشكاليات اذ لم تعد الصورة مجرد دليل محتمل، بل أصبحت أحياناً أداة تأثير في مسار العدالة نفسها، وهذا ما يجعل التزامن بين المحاكمات وبث الفيديوهات ليس مجرد صدفة إعلامية، بل ظاهرة تستحق القراءة بوصفها تقاطعاً بين القضاء، والإعلام، ومحاولات التأثير السياسي أو المجتمعي على مسار الحقيقة...
في هذا السياق، يصبح السؤال ليس فقط عن صحة الفيديو أو دقته، بل عن “وظيفته في اللحظة التاريخية”:
- لماذا يُنشر الآن؟..
- كيف يُستخدم؟ ..
- وكيف يُعاد تأويله داخل بيئة قضائية لم تُغلق بعد ملفاتها؟..
أما على المستوى الإعلامي، فإن قوة الصورة تكمن في سرعتها وقدرتها على اختراق الوعي قبل أن تكتمل عملية التحقق، لكنها في الوقت ذاته تحمل خطراً بنيوياً حين تتحول من أداة توثيق إلى أداة تشكيل حكم مسبق. وهنا يكمن التحدي الأكبر في المرحلة السورية: كيف يمكن فصل “قوة التأثير” عن “قوة الإثبات” دون أن يختلط أحدهما بالآخر؟..
لذا:
فإن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في تزامن بريء بين محاكمات ومقاطع مصوّرة، ولا يمكن في المقابل اعتباره خطة محكمة ومغلقة، بل هو أقرب إلى ساحة مفتوحة تتداخل فيها العدالة مع الذاكرة، والقانون مع الإعلام،ومحاولات التأثير مع حاجة المجتمع إلى الفهم.
الخلاصة:
إن الرابط بين المحاكمات وبث الفيديوهات لا يُقرأ فقط بوصفه تزامناً زمنياً أو ديناميكياً إعلامياً، بل بوصفه احتمالاً لوجود صراع غير مرئي على تشكيل بيئة العدالة نفسها اقصد:
-من يعرّف الحقيقة؟..
- من يملك سرديتها؟..
- ومن يحدد حدود تأثيرها على الحكم العام؟..
وفي النهاية:
تبقى اللحظة السورية الراهنة لحظة اختبار مزدوج:
- اختبار لقدرة القضاء على الحفاظ على استقلاليته في بيئة مشحونة... - واختبار لقدرة المجتمع على التمييز بين العدالة كمسار قانوني، وبين العدالة كصورة مشحونة في فضاء عام مفتوح على كل الاحتمالات...
فالعدالة، في جوهرها، ليست ما يُبث فقط… بل ما يصمد أمام ضغط ما يُبث.