
الانتصار الشعبوي وخطر الانقسام الطائفي في سورية :
بصرف النظر عن حقيقة أن نسبة لا يستهان بها من السوريين، وغالبيتهم من العرب السنة، يرون ما حدث يوم ٨ / ١٢ / ٢٠٢٤ انتصاراً عظيماً ( للثورة ) ولو كان من تصدر المشهد هو هيئة تحرير الشام وما دار في فلكها من فصائل مسلحة إسلامية، يظل السؤال المحوري :
- هل هذا "الانتصار" يحمل في طياته أي معنى مستدام للواقع السوري؟..
لا سيما أن الرابط المشترك بين كل هذه المجموعات هو واضح، فهي كلّها إسلاموية، وكلّها كانت مصنفة إرهابية!..
لا ألوم العرب السنة على هذا التصور، فهم المكوّن الأكبر عددياً في سورية، وكانوا هم من دفع أعلى فاتورة خلال الصراع منذ عام ٢٠١١ من موت ودمار وخراب ديار بدى خلفه دوافع طائفية، إلا أن المؤكد و الأكيد أنه كانوا المكون الأكبر الذي خرج على الطاغية...
الواقع يقول إنهم يعتبرون مجرد خلع نظام الأسد انتصاراً بحد ذاته، عند هذه النقطة تتوقف العقول عن التفكير النقدي، وينسى الكثيرون أن ما يحدث اليوم هو انعكاس لعجلة حرب لم تتوقف، وأنها مرشحة للتسارع أكثر، مع استمرار تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على المجتمع السوري بأسره...
إذا تجاوزنا كل ما سبق، فإن أخطر نتائج هذا الانتصار الشعبوي هي ما كان مخفياً طوال سنوات الحرب، وما أصبح الآن واضحاً بشكل مدمر :
- خطاب الكراهية والتكفير والتخوين، الذي يعزز الإقصاء ويهدد فكرة الوحدة الوطنية، ويغذي مشروع تفتيت سورية على أسس عرقية ودينية وطائفية...
- الاعتقاد بالحق المطلق فكل فريق يرى نفسه محقاً فيما يفعل، ما يؤدي إلى اختلاط مفهوم القوة المشروعة بالقوة الغاشمة، بحيث لا يمانع أي طرف في إبادة الآخر إذا لزم الأمر...
- النمو المرعب للطائفية، عند نسبة كبيرة من السوريين الذين كانوا في الماضي أقل ميلاً لإظهارها أو التحدث عنها علناً، ما يهدد نسيج المجتمع السوري ومفهوم التعايش...
إلا أن السؤال الكبير هنا هو :
- هل ما نراه اليوم هو نتيجة طبيعية لما تراكم خلال سنوات الحرب، أم أنه سبب لمراحل لاحقة أكثر خطورة؟..
الحقيقة :
أن الجواب يجمع بين الأمرين، الصراع السوري لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل صراع عميق في الهويات السياسية والاجتماعية والدينية، والعواقب التي نراها اليوم هي انعكاس لما تراكم خلال السنوات الماضية، لكنها في الوقت نفسه تمهّد لمرحلة لاحقة قد تحمل صراعات أكثر دموية وخطورة إذا لم يتم التعامل معها بحكمة ووعي...
للعلم :
فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الانتصار العسكري أو سقوط النظام، بل في الانتصار الشعبوي الذي يغذي خطاب الكراهية والإقصاء، ويعزز الطائفية ويهدد وحدة المجتمع السوري، لذا فإذا ما استمر هذا المسار، فإن سورية ليست فقط على صفيح ساخن من الصراعات العسكرية، بل على شفا انقسام اجتماعي وطائفي يمكن أن يكون أخطر من أي حرب مسلحة خاضتها البلاد منذ عام ٢٠١١
اخيرا :
أن ما يحدث في سورية اليوم ليس مجرد صراع سياسي أو انتصار أو هزيمة، بل اختبار حقيقي لقدرة السوريين على ضبط التوازن بين القوة والشرعية، بين الانتصار الشعبوي وبين التعايش الوطني، وإذا ما فشل السوريون في مواجهة خطاب الكراهية والتكفير والإقصاء، فإن كل الانتصارات السابقة، مهما كانت عسكرية أو سياسية، ستفقد معناها أمام شبح تفتيت سورية وانهيار النسيج الوطني، ولا أظن أن هذا بعيد عن الرغبة الاسرائيلية، ليس هذا فقط بل هو جوهر نظرية الشرق الأوسط الجديد، وان كل ماحدث ولازال على مدى عقد ونصف لايخرج عن نظرية الفوضى الخلاقة.