
الأقليات السورية.. الوطن للجميع لا لمنتخب “بخشم البارودة”
أستيقظت اليوم على فيديو منشور من قبل أنس هبرة، أحد مؤيدي السلطة الراهنة، يحاول أن يقدم تعريفه الشخصي للأقليات في سورية. يقول في فيديوه على التيك توك: "هم كل شخص لا يؤيد ولا يقبل السلطة الراهنة التي حصل عليها المنتصرون بخشم البارودة"، ويضيف بلمسة من السخرية تجاه الجميع: "هؤلاء هم الأقليات بمن فيهم ذلك السني الكيوت". ثم يُنهي نصيحته بمغادرة هؤلاء السوريين لوطنهم.
أوقف نفسي عند هذا الكلام لأتساءل: من منح هذا الشاب أو أي شخص آخر الحق ليحكم على من يحق له البقاء في سورية أو من يجب أن يرحل؟ من أعطاه الشرعية ليكتب دستور الولاء والانتماء، وكأن الوطن ملك له أو لوالديه؟
سورية ليست ملكًا لمجموعة انتصرت بالقوة، ولا لتجربة سياسية أو لفريق يسمي نفسه السلطة الشرعية. سورية هي وطن لكل من ولد عليها، لكل من يحلم بمستقبل مشترك، لكل من يحمل في قلبه حب أرضه، بغض النظر عن طائفته أو مذهبه أو خياراته السياسية. الأقليات السورية ليست "مشكلة" يمكن تصنيفها أو استبعادها، بل هي جزء أصيل من النسيج الوطني، وهي دليل على أن سورية بلد التنوع والتعايش.
الرأي الوطني الحقيقي لا يفرق ولا يقسم، بل يجمع ويحتوي. لا ينظر إلى الناس بمنظار الولاء الفردي أو الانتماء المؤقت للسلطة، بل ينظر إلى الوطن كمشروع مشترك، ومسؤولية جماعية. وإذا كان لنا أن نتحدث عن الوطنية، فهي ليست في رفع شعارات التفوق أو التهديد بمغادرة الوطن، بل في التحمل والصبر والعمل من أجل بناء مجتمع يسع الجميع ويستمع للجميع ويحترم جميع الأطياف.
فيديوهات كهذه ليست أكثر من محاولة لتلميع الذات والتقليل من الآخر، وهي انعكاس لحقد شخصي أكثر من كونها موقفًا وطنيًا. من يصر على أن يضع حدودًا مزعومة للولاء السوري، وينسج تعريفات ضيقة للأقليات، يُظهر فقط ضيقًا في الرؤية وقلة تحمل للمسؤولية الوطنية. أما نحن، من يقدر قيمة التنوع والاختلاف، نتحمل مسؤوليتنا تجاه وطننا، ونؤمن أن سورية تبقى قوية عندما يجتمع أبناؤها على اختلافاتهم وليس على استبعادهم.
لذلك، أقول وبكل وضوح: سورية لنا جميعًا، لكل من يحبها ويعمل لأجلها، وليس لمن يرى الانتصار بالقوة أو بخشم البارودة معيارًا للشرعية. إن الانتماء الحقيقي للوطن لا يُكتسب بالولاء الأعمى، بل بالوعي والصبر والعمل الجاد، وهذا ما يجعلنا الأكثر عمقًا وانتماءً وأفضل قدرة على تحمل مسؤولية الوطن.
في النهاية، سورية لن تكون أبدًا ملكًا لمطلق السلطة، بل مشروعًا مشتركًا لكل من يريدها وطنًا، لا أداةً للنفور والإقصاء.