
العقيدة حين تحمل السلاح… بداية نهاية الدولة:
لم يكن الخبر المتعلق بتصنيف واشنطن لما يُعرف بإخوان السودان منظمة إرهابية عالمية مجرد إجراء سياسي عابر في سجلات وزارة الخزانة أو وزارة الخارجية الأمريكية. فالقرارات من هذا النوع، مهما اختلفت الآراء حول خلفياتها أو دوافعها، غالباً ما تكشف عن ظاهرة أعمق تتجاوز حدود البلد المعني، وتمسّ قضية أكثر خطورة تتعلق بطبيعة الصراعات التي يشهدها العالم المعاصر. وفي هذا السياق يبرز سؤال جوهري لا ينبغي تجاهله: ماذا يحدث حين تتحول العقيدة إلى مشروع سياسي مسلح، وحين يصبح الإيمان أو الفكر الأيديولوجي أساساً لبناء تنظيمات عسكرية تعمل خارج إطار الدولة والقانون؟
إن التاريخ السياسي الحديث يقدّم لنا إجابة واضحة، وإن كانت مؤلمة في كثير من الأحيان. فكل تجربة خلطت بين العقيدة والسياسة والعسكرة انتهت، عاجلاً أم آجلاً، إلى إضعاف الدولة وتفكيك المجتمع وإطلاق موجات من العنف يصعب احتواؤها. وليس المقصود هنا ديناً بعينه أو ثقافة بعينها، بل ظاهرة عامة عرفتها البشرية في أماكن مختلفة وتحت رايات متعددة. فالعقيدة، سواء كانت دينية أو أيديولوجية، حين تتحول إلى بندقية تفقد قدرتها على الإلهام الروحي أو الفكري، وتتحول إلى أداة صراع لا تعرف التسويات.
إن السياسة بطبيعتها مجال للمصالح المتعارضة، وللتفاوض، وللبحث عن حلول وسط تسمح باستمرار الحياة المشتركة داخل المجتمع. أما العقيدة، فغالباً ما تقوم على اليقين المطلق وعلى الاعتقاد بامتلاك الحقيقة النهائية. وعندما يلتقي هذان العالمان – عالم السياسة وعالم العقيدة – داخل تنظيم مسلح، فإن النتيجة تكون في الغالب صراعاً لا يقبل التنازل ولا يعترف بالتعددية.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فالجماعات العقائدية المسلحة لا ترى في خصومها منافسين سياسيين يمكن التفاهم معهم، بل ترى فيهم خصوماً وجوديين ينبغي إقصاؤهم أو القضاء عليهم. ولذلك فإن العنف بالنسبة لهذه الجماعات لا يُعدّ مجرد وسيلة اضطرارية، بل يتحول إلى واجب أخلاقي أو رسالة تاريخية. وهكذا يصبح القتال فضيلة، والتضحية بالنفس والآخرين طريقاً لتحقيق الخلاص أو العدالة أو النصر العقائدي.
هذه البنية الفكرية هي التي تجعل من التنظيمات العقائدية المسلحة خطراً مضاعفاً على المجتمعات والدول. فالمشكلة لا تكمن فقط في السلاح الذي تحمله، بل في الفكرة التي تمنح هذا السلاح شرعية مطلقة. فحين يُقدَّم العنف بوصفه واجباً دينياً أو ثورياً أو قومياً مقدساً، يصبح من الصعب إخضاعه للمعايير الإنسانية أو القانونية. بل إن أي محاولة لوقفه يمكن أن تُفسَّر بوصفها خيانة للعقيدة أو انحرافاً عن الطريق الصحيح.
لقد شهد العالم خلال العقود الماضية نماذج عديدة لهذه الظاهرة. فقد ظهرت تنظيمات دينية مسلحة في مناطق مختلفة من العالم، كما ظهرت حركات أيديولوجية ثورية أو قومية رفعت السلاح باسم التحرير أو العدالة الاجتماعية أو الدفاع عن الهوية. لكن النتيجة في معظم الحالات كانت متشابهة: دول ضعيفة، مجتمعات منقسمة، واقتصادات منهكة بسبب الحروب والصراعات المستمرة.
ولعل التجربة الأهم التي ينبغي التوقف عندها هي أن هذه الجماعات، حتى حين تنجح في الوصول إلى السلطة، تجد نفسها عاجزة عن التحول إلى دولة مستقرة. فالدولة تقوم على المؤسسات والقوانين والتوازنات، بينما تقوم التنظيمات العقائدية المسلحة على الطاعة المطلقة والولاء الفكري والتنظيم المغلق. ولذلك فإن انتقالها من منطق الحركة إلى منطق الدولة غالباً ما يكون انتقالاً متعثراً ومليئاً بالصراعات الداخلية.
إن الدولة الحديثة، كما عرفها العالم منذ قرون، قامت أساساً على فكرة احتكار العنف الشرعي داخل المجتمع. أي أن استخدام القوة يجب أن يكون محصوراً في مؤسسات الدولة الخاضعة للقانون. أما حين تظهر داخل المجتمع قوى مسلحة موازية تستمد شرعيتها من العقيدة أو الأيديولوجيا، فإن هذا الاحتكار يتآكل تدريجياً، وتبدأ الدولة بفقدان قدرتها على ضبط المجال العام.
ومن هنا تبدأ مرحلة الفوضى.
فالمجتمع الذي تنتشر فيه الميليشيات العقائدية يتحول إلى ساحة صراع مفتوحة بين مشاريع متناقضة، حيث يحمل كل طرف سلاحه باسم الحقيقة التي يؤمن بها. وعند هذه النقطة يصبح الحوار السياسي بلا معنى، لأن البندقية تحل محل الكلمة، والقوة تحل محل القانون.
وليس من الصعب ملاحظة أن هذه الظاهرة لم تعد محصورة في منطقة معينة من العالم. فالعقود الأخيرة شهدت انتشاراً واسعاً لجماعات مسلحة ذات خلفيات دينية أو أيديولوجية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وحتى في بعض الدول الغربية. وقد ساعدت عوامل عديدة على هذا الانتشار، من بينها ضعف الدولة في بعض المناطق، والتوترات الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى استخدام بعض القوى الإقليمية والدولية لهذه الجماعات كأدوات في صراعاتها الجيوسياسية.
وهنا تبرز مشكلة أخرى لا تقل خطورة: الانتقائية في التعامل مع ظاهرة الجماعات المسلحة. فبعض التنظيمات تُصنَّف إرهابية حين تتعارض مع مصالح معينة، بينما تُتغاضى تنظيمات أخرى أو تُستثمر سياسياً حين تخدم أهدافاً مرحلية. وهذه الازدواجية لا تؤدي إلا إلى تعميق المشكلة بدلاً من حلها.
فالإرهاب، في جوهره، ليس صفة مرتبطة بجغرافيا أو بدين أو بثقافة، بل هو سلوك يقوم على استخدام العنف خارج إطار القانون لتحقيق أهداف سياسية أو عقائدية. وإذا أراد المجتمع الدولي أن يكون جاداً في مواجهة هذه الظاهرة، فإنه يحتاج إلى معيار واحد واضح: كل جماعة مسلحة تعمل خارج إطار الدولة وتستخدم العقيدة أو الأيديولوجيا لتبرير العنف السياسي تشكل خطراً على السلم الإنساني.
إن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي. فالتحديات الكبرى التي تواجه البشرية – من تغير المناخ إلى الأزمات الاقتصادية والهجرات الجماعية والتطورات التكنولوجية المتسارعة – تتطلب قدراً غير مسبوق من التعاون الدولي والاستقرار السياسي. وفي ظل هذه التحديات تبدو الصراعات العقائدية المسلحة وكأنها عبء إضافي يستهلك طاقات المجتمعات ويعطل قدرتها على مواجهة المستقبل.
ولهذا فإن القضية لم تعد مجرد قضية أمنية تتعلق بمحاربة الإرهاب بعد وقوعه، بل أصبحت قضية فكرية وسياسية تتعلق بمنع نشوء البيئات التي تسمح بولادة هذه الجماعات أصلاً. وهذا يتطلب جهداً عالمياً يعيد الاعتبار للدولة الوطنية ومؤسساتها، ويعزز ثقافة التعددية، ويفصل بوضوح بين الإيمان كقيمة روحية وبين استخدامه كأداة للصراع السياسي.
فالعقيدة، حين تبقى في فضائها الأخلاقي والروحي، يمكن أن تكون مصدراً للقيم والمعاني التي تسمو بالإنسان. لكنها حين تتحول إلى بندقية، فإنها تفقد هذا الدور وتصبح جزءاً من آلة الصراع.
ومن هنا يمكن فهم المعنى الأعمق لأي خطوة دولية تتعلق بتصنيف جماعة مسلحة أو ملاحقتها. فالقضية ليست مجرد إضافة اسم جديد إلى قائمة الإرهاب، بل تتعلق بإدراك عالمي متزايد بأن عسكرة العقيدة – أياً كان شكلها – تمثل واحداً من أخطر التحديات التي تواجه الدولة الحديثة.
إن حماية الإنسانية في القرن الحادي والعشرين لا تتطلب فقط التقدم العلمي أو النمو الاقتصادي، بل تتطلب أيضاً شجاعة فكرية وسياسية لمواجهة هذه الظاهرة بوضوح ودون تردد. لأن التاريخ أثبت مراراً أن المجتمعات التي تسمح للعقيدة بأن تتحول إلى سلاح إنما تفتح الباب، دون أن تدري، لبداية نهاية الدولة نفسها.