
الأول من حزيران 1976:
عندما دخل الأسد إلى لبنان...
هل أنقذ دولة أم فتح باب المأساة؟...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
في الأول من حزيران عام 1976 عبرت القوات السورية الحدود إلى لبنان بصورة علنية ورسميّة، لتبدأ مرحلة جديدة لم تغيّر تاريخ لبنان فحسب، بل أعادت تشكيل المشرق العربي كله لعقود لاحقة،
وبعد خمسين عاماً من ذلك القرار، ما يزال الجدل محتدماً حوله:
- هل كان تدخلاً ضرورياً لمنع انهيار لبنان؟..
- أم كان بداية مشروع هيمنة سورية طويلة الأمد؟..
- وهل خدم المصالح الوطنية السورية فعلاً أم أوقع سورية نفسها في مستنقع استنزاف لم تخرج منه إلا بعد ثلاثة عقود؟..
لفهم القرار ينبغي أولاً العودة إلى الظروف التي أحاطت به، لا إلى الأحكام المسبقة التي تراكمت بعد ذلك.
كان لبنان في ربيع عام 1976 يتجه بسرعة نحو الانهيار الكامل. الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، مدعومة بقوة السلاح الفلسطيني، كانت تحقق تقدماً عسكرياً واضحاً على حساب الجبهة اللبنانية المسيحية، وفي أكثر من منطقة بدا أن موازين القوى تتجه نحو حسم عسكري قد يؤدي إلى سقوط المناطق المسيحية الأساسية وانهيار الصيغة السياسية التي قام عليها لبنان منذ الاستقلال...
في دمشق، لم يكن حافظ الأسد ينظر إلى ما يجري باعتباره حرباً أهلية لبنانية فحسب، بالنسبة إليه كانت القضية تتعلق مباشرة بالأمن القومي السوري، فمنذ تأسيس دولة لبنان الكبير لم تتعامل النخب الحاكمة في سورية مع لبنان بوصفه دولة أجنبية عادية... كان يُنظر إليه باعتباره الامتداد الطبيعي للساحل السوري والخاصرة الغربية لسورية، وأي تغيير جذري في توازناته كان يُعد تهديداً مباشراً لدمشق...
لكن هذا العامل وحده لا يفسر القرار، فقد كان الأسد يراقب بقلق متزايد تنامي استقلالية القرار الفلسطيني، فمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات لم تعد مجرد حركة مقاومة ضد إسرائيل، بل أصبحت لاعباً إقليمياً يمتلك جيشاً ومخيمات وسلاحاً وعلاقات عربية ودولية مستقلة عن إرادة الأنظمة العربية، وكان الأسد، الذي بنى نظامه على مركزية القرار الأمني والسياسي، يرى في هذا الصعود خطراً استراتيجياً...
من هذه الزاوية، لم يكن الصراع بين دمشق وعرفات مجرد خلاف تكتيكي، بل كان صراعاً على من يملك القرار في المشرق بمعنى :
- هل تصبح بيروت قاعدة لقيادة فلسطينية مستقلة قادرة على التأثير في سوريا والأردن ولبنان معاً؟..
- أم تبقى القضية الفلسطينية ضمن السقف الذي ترسمه الدول العربية، وفي مقدمتها سوريا؟..
ثم جاءت الحسابات الإقليمية والدولية، فبعد حرب تشرين 1973 بدأت مصر تتحرك تدريجياً نحو مسار التسوية المنفردة مع إسرائيل، وبدا واضحاً أن مركز الثقل العربي ينتقل من القاهرة إلى فراغ سياسي تحاول دمشق ملأه، وفي الوقت نفسه لم تكن الولايات المتحدة ولا إسرائيل راغبتين في رؤية انتصار كامل للحركة الوطنية اللبنانية والمنظمات الفلسطينية. ولهذا ظهرت قنوات اتصال غير مباشرة نقلت رسائل متبادلة حول حدود التدخل السوري المسموح بها...
ورغم أن الرواية السورية الرسمية أنكرت طويلاً وجود أي تنسيق، فإن وثائق وشهادات أمريكية وإسرائيلية عديدة كشفت لاحقاً أن واشنطن كانت ترى في التدخل السوري وسيلة لضبط الوضع اللبناني ومنع انهياره الكامل، كما كانت إسرائيل تفضّل دخول الجيش السوري على قيام سلطة فلسطينية قوية على حدودها الشمالية...
هنا تكمن إحدى أكثر مفارقات تلك المرحلة إثارة للانتباه:
النظام الذي رفع رايات المواجهة مع الإمبريالية وجد نفسه يتحرك ضمن معادلة إقليمية لم تعارضها واشنطن ولا تل أبيب...
أما داخلياً، فقد كانت سوريا تواجه تحديات متزايدة، الاقتصاد بدأ يفقد الزخم الذي أعقب حرب تشرين، والتوترات السياسية والأمنية كانت تتصاعد، ولا سيما مع بدايات المواجهة بين السلطة والتيار الإسلامي، وكان من الطبيعي أن ينظر النظام إلى لبنان باعتباره ساحة متقدمة لمنع انتقال الفوضى إلى الداخل السوري...
لكن العامل الأكثر حساسية ربما كان ما يمكن تسميته بـ"هاجس التوازن الطائفي"...
كان الأسد مقتنعاً بأن سحق المسيحيين اللبنانيين سيؤدي إلى نتائج كارثية، فهو لن يفتح الباب فقط أمام تقسيم لبنان، بل سيقود أيضاً إلى تدخلات إسرائيلية مباشرة ويحوّل الصراع اللبناني إلى حرب إقليمية مفتوحة، لذلك اتخذ موقفاً بدا متناقضاً للكثيرين عندما وقف عملياً إلى جانب القوى المسيحية في مواجهة الحركة الوطنية "الفلسطينية ـ اللبنانية"...
في تلك اللحظة تحديداً انفجر الخلاف بين الأسد وكمال جنبلاط، ووصل إلى درجة القطيعة السياسية الكاملة، كان جنبلاط يرى أن ميزان القوى التاريخي يميل أخيراً لمصلحة مشروعه السياسي، بينما رأى الأسد أن هذا الانتصار نفسه يحمل بذور الانفجار الأكبر...
واليوم:
- بعد نصف قرن، هل كان القرار صحيحاً؟..
الإجابة ليست سهلة!..
إذا نظرنا إلى الوضع كما كان في عام 1976 فقط، يمكن القول إن الأسد نجح في تحقيق أهدافه المباشرة، فقد منع انهيار الدولة اللبنانية بالكامل، وأوقف الحسم العسكري الذي كانت تتجه إليه الحرب، ومنع قيام كيان فلسطيني مستقل فعلياً داخل لبنان، ورسخ الدور الإقليمي السوري لعقود...
لكن التاريخ لا يُقاس بالنتائج المباشرة وحدها، فالتدخل الذي بدأ باعتباره عملية محدودة تحول إلى وجود عسكري وسياسي وأمني استمر نحو ثلاثين عاماً. وخلال هذه العقود دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً من سيادتهم واستقلال قرارهم الوطني، كما دفعت سوريا نفسها أثماناً سياسية واقتصادية وأخلاقية كبيرة نتيجة الانخراط العميق في الشأن اللبناني...
ومن هذه الزاوية، يبدو أن النجاح التكتيكي أخفى وراءه فشلاً استراتيجياً طويل المدى...
أما السؤال الأهم:
- هل كان القرار وطنياً وسيادياً؟..
إذا قصدنا بالوطنية حماية المصالح العليا للدولة السورية كما كان يراها صانع القرار في دمشق، فالإجابة نعم. الأسد لم يرسل جيشه إلى لبنان خدمة للفلسطينيين ولا للمسيحيين ولا للأمريكيين، بل انطلاقاً مما اعتبره مصلحة سورية مباشرة تتعلق بالأمن والنفوذ والتوازنات الإقليمية...
لكن إذا كان معيار الوطنية هو احترام سيادة الدول الأخرى وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الوصاية الخارجية، فإن الإجابة تصبح أكثر تعقيداً، فدخول جيش دولة عربية إلى دولة عربية أخرى دون تفويض شعبي لبناني شامل لا يمكن اعتباره عملاً سيادياً من منظور اللبنانيين الذين رأوا فيه بداية مرحلة طويلة من الهيمنة السورية...
لهذا السبب يصعب تصنيف قرار الأول من حزيران 1976 بلون واحد...
- لم يكن عملاً بطولياً خالصاً كما صوّرته الدعاية الرسمية السورية، ولم يكن مؤامرة سوداء خالصة كما يصوره بعض خصوم النظام...
بل :
كان قراراً سياسياً بارداً اتخذه حاكم رأى أن مصالح دولته ونظامه تقتضي التدخل، فنجح في تحقيق بعض أهدافه المباشرة، لكنه فتح في الوقت نفسه أبواباً واسعة لأزمات سترافق سوريا ولبنان حتى القرن الحادي والعشرين...
وربما لهذا السبب بالذات ما زال ذلك القرار، بعد خمسين عاماً كاملة، واحداً من أكثر القرارات إثارة للجدل في تاريخ المشرق الحديث.