--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

الأزبكية على وقع الانفجار .

Salah Kirata • ٢١‏/٢‏/٢٠٢٦

000_9q237x_720.jpg

الأزبكية على وقع الانفجار :

في 29 نوفمبر 1981، هزّ ضجيج غير مسبوق شوارع العاصمة السورية، وكأن الأرض نفسها تردّ صرخة آدمٍ يتألّم تحت وطأة حدثٍ ما زال يلامس وجع الذاكرة السورية حتى اليوم. في ذلك الصباح البارد من أواخر خريف دمشق، داهمت مدينة الألف مئذنة أجواء من الهدوء المعتاد، قبل أن تنقلب تلك اللحظات إلى تراجيديا دامية قُدر لها أن تخلد في صفحات التاريخ الحديث لسورية.

كان الشارع في حي الأزبكية يعجّ بالناس؛ مواطنون في طريقهم إلى أعمالهم، درّاجات وشاحنات صغيرة تمرّ على عجل، أطفال يتدافعون إلى مدارسهم، وبسطاء يبتغون قوت يومهم في أسواق دمشق القديمة. وفي لحظة لم يتوقعها أحد، انفجرت سيارة مفخخة عند مفترق طرقٍ شديد الازدحام، قرب مجمع وكالات المخابرات في الأزبكية، وأحدثت دماراً هائلاً: سحب من الدخان ترتفع إلى السماء، وزجاج تلامس الأرض كأنها دموع المدينة، وأجساد منتشرة في كل مكان.

لم يكن هذا انفجاراً عادياً، بل كان زلزالاً بشرياً. أصوات الصراخ والتكسير تداخلت مع صدى صفّارات سيارات الإسعاف التي انطلقت كخفافيش ليلية تبحث عن جراح لا تُحصى. سُمع الصوت في كل أحياء دمشق، وكأن العاصمة نفسها انهارت تحت وقع الانفجار. تحوّل الشارع إلى ساحة حرب، أجساد ملقاة بلا أسماء في البداية، أصوات من تُنقذ ومن يُعلن عن فراقه، ووجوه شخوصٍ فقدوا كل ما يعرفونه في لحظات معدودات.

وسط الدخان والحطام، بدأت المشاهد الإنسانية الصغيرة تتكشف على الأرض: فتاة صغيرة تسقط حقيبتها المدرسية بينما تبحث أمها عنها بين الركام، رجل يحاول حمل جرحى بعيداً عن المبنى المتهدم، عجوز تصرخ باسم جارتها التي اختفت بين الدخان، شاب في العشرين يحاول رفع زملائه من تحت الحطام، وكل خطوة على الأرض تحمل عبء الصدمة والرعب. هذه اللحظات، المختلطة بالصراخ والفوضى، أضفت على الحدث بعدًا إنسانيًا مؤلمًا، وجعلت القارئ يشعر بأن كل وجه في الشارع له قصة، وكل ضحية لها اسم في القلب، حتى لو لم يُحصَ رسمياً.

العدد الرسمي للضحايا بلغ 64 قتيلاً من المدنيين وعناصر الجيش، وأكثر من 135 جريحاً، لكن الشارع كان يهمس بأعداد أكبر، ضحايا لم يكن لهم أرقام، فقط وجوهٌ تلاشت وسط الدمار.

وسط الدخان والحطام، تناثرت الروايات والأحاديث الساخنة: النظام السوري أعلن بسرعة أن جماعة الإخوان المسلمين وراء هذا التفجير، وهو جزء من تمردهم الواسع ضد الدولة في تلك الفترة، التي عرفها التاريخ بصراع دامٍ بين حركة الإسلام السياسي، ومؤسسة الدولة البعثية بقيادة الرئيس حافظ الأسد.

كانت دمشق في ذلك الوقت مدينة على حافة الانفجار السياسي، والصراع بين الدولة والجماعات المسلحة بلغ ذروته، ومع ذلك بقيت الأزبكية حدثاً استثنائياً في عنفِه وصدى وقعِه في المنازل والأحياء والشوارع الضيقة. وكان للانفجار أثرٌ نفسي عميق؛ إذ أظهر هشاشة الأمن في قلب العاصمة، وأضاء جروح التوتر الداخلي في المجتمع السوري، تلك الجروح التي لم تندمل بسهولة.

البعض يرى في هذا التفجير منعطفاً درامياً في السجل السوري الحديث؛ إذ امتزجت المأساة بالألم، والصراع السياسي بالوجع الشعبي، فساحات دمشق لم تعد تكتفي بنبض الحياة، بل استقبلت منذ ذاك اليوم صدى القلق والخوف في نواته.

لو صوّرت هذه اللحظة كما في الرواية، لكانت المدينة نفسها بطلة ثنائية: من جهة تنهض ببطء بعد الكارثة، ومن جهة أخرى تبقى آثارها محفورة في الوجدان الجماعي، تهمس في أذني كل من مرّ في تلك الأزقة: هنا انكسرت دمشق، وهنا حاولت أن تبقى قوية رغم الخراب.