
الدولة الاجتماعية في سورية بين 1963 والتحولات العنيفة:
من نموذج الرعاية إلى تفكك البنية؟!..
منذ عام 1963، ومع وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في سوريا، ترسّخ نموذج (اقتصادي – اجتماعي) يقوم على فكرة “الدولة الاجتماعية المركزية”، حيث تولّت الدولة الدور الأساسي في الاقتصاد، والإنتاج، والتعليم، والصحة، وإدارة المجتمع. لم يكن ذلك مجرد خيار اقتصادي، بل كان مشروعاً سياسياً متكاملاً هدفه إعادة تشكيل المجتمع والدولة في إطار أيديولوجي واضح، جعل من القطاع العام العمود الفقري للاقتصاد، ومن الدولة المرجع الأول والأخير في توزيع الموارد والخدمات...
هذا النموذج، وعلى امتداد عقود، أنتج دولة متضخمة وظيفياً، لكنها في الوقت نفسه حساسة تجاه أي اهتزاز سياسي أو اقتصادي، لأن المجتمع تم ربطه بشكل مباشر بمنظومة الدولة المركزية، دون تطوير توازنات اقتصادية مستقلة أو قطاع خاص قادر على امتصاص الصدمات...
ومع دخول سورية في مسار الأزمة منذ 2011، لم تكن الانفجارات السياسية والأمنية مجرد حدث داخلي معزول، بل جاءت ضمن سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، وقد قرأ كثير من المحللين هذه المرحلة باعتبارها نقطة التقاء بين انهيار بنية دولة تقليدية من جهة، وبين تحولات إقليمية أوسع في بنية المنطقة من جهة أخرى، حيث تداخل العامل الداخلي مع مشاريع إعادة تشكيل المجال السياسي في الشرق الأوسط، سواء تم توصيفها في أدبيات سياسية بـ“إعادة هندسة المنطقة” أو بغيرها من المصطلحات...
في هذا السياق، تحولت الاحتجاجات إلى صراع مسلح واسع، ودخلت البلاد مرحلة عسكرة شاملة، ترافقت مع صعود الفصائل المسلحة ذات الطابع العقائدي والديني، ومع تفكك تدريجي في البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة. ومع الوقت، لم تعد الأزمة مجرد حراك سياسي، بل تحولت إلى حرب متعددة الطبقات، شاركت فيها أطراف محلية وإقليمية ودولية، وكل منها حمل أجنداته الخاصة ورؤيته للصراع...
إن ما حدث لاحقاً من توسع في العنف، وصعود التنظيمات المتطرفة، وتفكك مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، لا يمكن فصله عن انهيار التوازنات الداخلية للدولة الاجتماعية القديمة، ولا عن دخول البلاد في دائرة صراع مفتوح أعاد تشكيل المجتمع قسراً عبر أدوات الحرب لا عبر أدوات السياسة...
لكن الأهم من ذلك كله هو أن التحذيرات من خطورة تفكك الدولة دون انتقال مدروس، ومن خطورة تحويل الصراع السياسي إلى عسكرة شاملة، قوبلت في كثير من الأحيان بالتجاهل أو الاتهام أو الإقصاء، في حين أثبتت الوقائع أن انهيار الدولة المركزية دون بديل سياسي جامع يؤدي إلى فراغ تملؤه القوة المسلحة لا المؤسسات...
عموماً:
إن جوهر الأزمة السورية لا يكمن فقط في الصراع السياسي، بل في انهيار نموذج الدولة ذاته، من دولة مركزية اجتماعية قوية إلى فضاء متشظٍ تتنازعه القوى المسلحة والاصطفافات الإقليمية، في غياب عقد اجتماعي جديد قادر على إعادة إنتاج الدولة بشكل مستقر...
وفي النهاية:
يبقى السؤال الحقيقي مطروحاً بقوة وهو :
- هل كان ما حدث مجرد ثورة داخلية انتهت إلى حرب أهلية؟..
- أم أنه كان جزءاً من تفكك أوسع لبنية الدولة في الإقليم، تداخل فيه المحلي بالإقليمي والدولي في لحظة تاريخية واحدة؟..
الإجابة:
ليست بسيطة، لكنها مؤكدة في نقطة واحدة:
أن الدولة التي تُستنزف بنيتها الاجتماعية والسياسية دون انتقال مدروس، لا تنتهي فقط إلى أزمة حكم، بل إلى أزمة وجود.