
الدين ليس بندًا في جدول الحرب السخرية من أساطير “الحروب المقدسة” الأميركية:
في لحظة يبدو فيها التاريخ وكأنه يتحول إلى مسرحية دينية، خرجت تقارير عن ضباط أمريكيين يفيدون بأن قادتهم عرضوا أي مواجهة مع إيران على أنها جزء من "خطة إلهية" لمعركة نهاية العالم. هذه المزاعم ليست مجرد مبالغة، بل تمثل انعكاسًا خطيرًا لكيف يمكن للدين أن يُستغل لتبرير العنف وفرض قرارات سياسية على الجيش والبلاد بأكملها.
لنكن واضحين: الحرب ليست نصًا سماويًا يُقرأ، بل عملية معقدة تتطلب دراسة دقيقة للتكاليف والمخاطر السياسية والاقتصادية والعسكرية. أي تصعيد ضد إيران سيؤدي، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة قد تصل إلى 40%، مع تعطيل محتمل لسلاسل الإمداد العالمي. هذه أرقام حقيقية، لا رؤى غيبية.
التاريخ نفسه يكشف هشاشة محاولة ربط الدين بالسياسة أو الحرب. في التسعينيات، استخدمت إدارة جورج بوش الأب خطاب "الحرب المقدسة ضد العراق" لتبرير تدخلها في الخليج، لكن النتيجة كانت انفصالاً شبه دائم بين الرواية الرسمية والواقع على الأرض. لم يحقق الحلف أي أهداف "مقدسة"، بل خلف دمارًا اقتصاديًا وبشريًا هائلًا، ومثال ذلك خسائر الولايات المتحدة وحدها تجاوزت 61 مليار دولار، مع مقتل آلاف المدنيين والعسكريين. حتى حرب أفغانستان تحت شعار "الحرب على الإرهاب" لم تؤدِّ إلى أي "نصر إلهي"، رغم أن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من تريليون دولار خلال العقدين الماضيين.
الأمر الأكثر خطورة هو أثر هذا الخطاب على المؤسسة العسكرية نفسها. الجيش الأمريكي، الذي يفترض أن يظل حياديًا، يصبح ساحة لترويج أفكار دينية مغلوطة. هذا التوظيف للدين يدفع الضباط والجنود إلى اتخاذ قرارات عاطفية، بعيدًا عن العقلانية والاستراتيجية، ويهدد القانون العسكري والديمقراطية نفسها. التاريخ مليء بالأمثلة: الحملات الصليبية، حيث استخدم البابا الدين لتجنيد الجنود، انتهت بمذبحة جماعية وفشل سياسي، ولم تحقق سوى دمار طويل الأمد للمنطقة.
كما أن المزاعم حول "مسح ترامب من قبل يسوع" ليست مجرد سخافة، بل مثال حي على كيفية تحوير الدين إلى دعاية سياسية غير قابلة للتحقق. السلطة الدينية أو الروحية لا تمنح أي شخص الحق في إرسال جيوش لقتل المدنيين أو تدمير الدول تحت شعار "المشيئة الإلهية". أي محاولة من هذا النوع يجب رفضها بشكل صارم، لأنها تضع السياسة والأمن القومي تحت رحمة الوهم والخرافة.
خلاصة القول: الدين لا يمكن أن يكون بندًا في جدول العمليات العسكرية. القرارات الصحيحة تُبنى على بيانات، وتحليل استراتيجي، وتقييم المخاطر، لا على رؤى غيبية أو تأويلات لنهاية العالم. كل محاولة لربط الحرب بخطة سماوية هي هرطقة سياسية وأداة لتبرير العنف، مع ثمن بشري ومادي باهظ جدًا. المؤسسات العسكرية والقانونية يجب أن تبقى حصنًا ضد هذه الخرافات، لتظل الحرب قرارًا عقلانيًا مسؤولًا، لا استعراضًا دينيًا سخيفًا.