
الدين والسياسة:
(لماذا يجب الفصل بين المقدس والدولة المدنية)...
ليس لي موقف مسبق، ولا انطباعات أولية أبدي من خلالها آرائي لأشخص بها أحدًا أو أهاجم شخصية من شخصيات الدولة أو أتحدث باسم جماعة ما. حديثي هنا ليس عن الرئيس أو أي من أفراد الحكومة الانتقالية، ولا عن أي فرد بعينه، بل هو موقف فكري وسياسي واضح ينبع من قناعاتي حول أساس قيام الدولة المدنية الديمقراطية في سورية، التي ينبغي أن تكون قائمة على القانون والعدل والمساواة بين جميع المواطنين، دون النظر إلى الانتماءات الدينية أو المذهبية...
المشكلة الحقيقية التي أرغب في تناولها اليوم هي خلط الدين بالسياسة، وهو أمر أرفضه بشدة. الدين، بطبيعته، يتعامل مع المقدس، مع الأخلاق العليا، مع القيم الروحية والضمير الإنساني، بينما السياسة، كما يعرف الجميع، هي فن الممكن، وهي ممارسة عملية تحكمها القوة والمصلحة والتوازن بين مصالح متعارضة، فالسياسة ليست مجالًا للأخلاق المطلقة أو المبادئ السماوية، فالحروب والصراعات على السلطة والمصالح غالبًا ما تجرد السياسة من أي قيم مثالية. وعليه، محاولة تحميل الدين المسؤولية عن السياسة، أو استخدام الدين أداة لتبرير مواقف سياسية، يعد خلطًا خطيرًا ومضرًا للغاية بمفهوم الدولة المدنية الحديثة...
المسألة لا تتوقف عند رفض خلط الدين بالسياسة فقط. الأديان وما أنبثق عنها من طوائف، كما تظهر التجارب التاريخية، تصطدم بشكل مباشر مع قيام دولة مدنية ديمقراطية، عندما تصبح الولاءات للطائفة أو للمرجع الديني فوق القانون والدستور، فإن الدولة تفقد سلطتها الموحدة، وتظهر شلليات من الولاءات الجزئية والمصالح الفرعية، وهذا غالبًا ما يؤدي إلى الإقصاء الاجتماعي والسياسي للفئات المختلفة، ويخلق أجواء توتر واحتقان قد تنفجر إلى صراعات أهلية وحروب داخلية، كما رأينا في العديد من الدول التي دمجت الدين بالسياسة بطريقة غير مدروسة، مثل لبنان بعد الحرب الأهلية، والعراق بعد عام 2003، واليمن في العقد الأخير...
الدولة المدنية، على العكس، هي الدولة التي تُبنى على عقد اجتماعي واضح يحمي الحقوق والحريات للجميع، بغض النظر عن الانتماءات الدينية أو المذهبية، قوانينها وضوابطها وضعية، أي أنها نتاج توافق بشري وقرارات سياسية مدروسة، وليس وصايا أو تعليمات سماوية، وهذا لا يقلل من قيمة الدين أو من الاحترام للطقوس والمعتقدات الدينية، لكنه يضع الدين في موضعه الصحيح، وهو مصدر للقيم الروحية والأخلاقية التي تغذي المجتمع، وليس أداة لتحديد من يحكم ومن يُستبعد، ومن يحق له أن يمارس حقوقه السياسية والمدنية ومن لا يحق له...
التجارب السورية نفسها تثبت أن الطائفية الدينية والسياسية لا تجمع الناس، بل تفرقهم. الطوائف، عند إدخالها في السياسة، غالبًا ما تصبح أداة للتمييز الاجتماعي والسياسي، وليست وسيلة للوحدة الوطنية. هذا ما جعل سورية تمر بفترات حساسة من الصراعات الداخلية منذ أوائل القرن العشرين وحتى اليوم، ويظهر بشكل جلي ضرورة بناء دولة عادلة، مدنية، وديمقراطية، حيث يكون المواطنون متساوين أمام القانون، بعيدًا عن الانتماءات الطائفية والدينية...
إن الهدف الذي نسعى إليه جميعًا كسوريين هو دولة تجمع الجميع تحت مظلة القانون، تمنح الحقوق والواجبات بالتساوي لكل مواطن، دولة لا تُحدد علاقتها بالمقدس، بل بالمصلحة الوطنية المشتركة، وبالعدالة الاجتماعية. حينها فقط يمكن أن نضمن سورية مستقرة، متحضرة، وديمقراطية، حيث يصبح القانون، لا الطائفة أو المرجع الديني، هو المرجع الأعلى في حياة المواطنين، وتتحقق الوحدة الوطنية على أسس حقيقية وراسخة، ولا تهتز بتهديدات الطائفية أو الانقسامات المذهبية...
إضافة إلى ذلك، إن السماح للدين بأن يصبح عنصرًا أساسيًا في إدارة الدولة يفتح الباب أمام استغلاله من قبل قوى سياسية لتحقيق مصالحها الخاصة، وليس من أجل مصلحة المجتمع. التاريخ مليء بالأمثلة على صراعات استخدمت فيها الدين لتحقيق أهداف سياسية ضيقة، مما أدى إلى انقسامات عميقة ودمار طويل المدى. لذلك، فإن بناء الدولة السورية المستقبلية يجب أن يستند إلى عقد اجتماعي يضمن المساواة، ويحمي حقوق الأقلية كما الأغلبية، ويضع الدين في مكانه الطبيعي: تعزيز القيم الأخلاقية وليس التحكم في شؤون الحكم...
في الختام:
سورية بحاجة إلى نموذج دولة مدنية ديمقراطية متماسكة، تستند إلى القوانين الوضعية وتكون بعيدة عن التدخلات الطائفية والدينية في السياسة، دولة يستطيع فيها كل سوري أن يعيش بحرية، كفرد متساوٍ أمام القانون، وأن يسهم في صنع مستقبل وطنه دون أن يكون الدين أو الطائفة عائقًا أمام تحقيق الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي والاجتماعي. هذه الرؤية ليست مجرد خيار فكري، بل ضرورة عملية لضمان استمرار سورية كمجتمع متقدم، آمن، وديمقراطي قادر على الصمود أمام كل التحديات الداخلية والخارجية.