
الغالبية الصامتة، بين الواقع السوري ورغبة الدولة المدنية:
في النقاش حول مستقبل الحكم في سورية، كثيرون يبالغون في افتراض أن السوريين جميعهم يميلون إلى شكل واحد من السلطة، أو أن الإسلام السياسي يمثل خيار الأغلبية،لكن الواقع، كما أراه ومن موقع معرفة معمقة بالوقائع، يختلف جذرياً عن هذا الانطباع الشائع، فالغالبية المطلقة من السوريين ليست من مؤيدي نظام حكم إسلامي، بل يميلون أكثر إلى دولة مدنية ديمقراطية، تحكمها القوانين والعدالة الاجتماعية بعيداً عن تسييس الدين...
وهنا لا يمكن إنكار أن المكون الأوسع بين السوريين، وهم المنحدرون من العرب السنة، قد عانوا أكثر من غيرهم خلال عقود من الحكم الذي عرف قبضته الحديدية، لاسيما على مدى أكثر من عقد كان عنوانه العريض حرب مجنونة أدت إلى ما أدت من موت ودمار وخراب ديار وقد دفع فعلا العرب السنة الثمن الأغلى في مواجهة سلطات استبدادية، وكان لهم الدور الأكبر في التحمل والصمود، لكن هذا الواقع لا يعني أنهم جميعاً ميالون لنظام حكم ديني، إن فهم هذه الحالة من الناحية الأخلاقية والسياسية يستوجب التفريق بين شعور الضحية وميولها الفعلية تجاه نمط الحكم...
بحسب التقديرات الديموغرافية، يشكل العرب السنة نحو ٨٠٪ من السوريين. وإذا أخذنا افتراضك بأن أقل من نصفهم يميلون إلى حكم إسلاموي، فإن ذلك يعني أن ما لا يقل عن نصفهم – أي نحو ٤٠٪ من السكان الإجماليين – يفضلون نموذج دولة مدنية ديمقراطية. ومع احتساب مجموع السوريين الآخرين من مكونات مختلفة، نصل إلى نسبة لا تقل عن ٦٠٪ من السوريين الذين ليسوا مع نظام حكم إسلاموي، بل مع دولة القانون التي تحكمها المعايير المدنية والمؤسسات الديمقراطية...
هذه النسبة لا تمثل مجرد رقم إحصائي، بل مؤشر واضح على اتجاه شعبي حقيقي يحتاج أن يُفهم ويُستوعب من صانعي القرار، لذا إذا أراد الشرع، أو بالأحرى المسؤولون عن مستقبل الدولة، أن يحافظوا على استقرار سورية ويحققوا تطلعات أغلب مواطنيها، فلا يمكن لهم أن يتركوا الحبل على الغارب للجماعات الجهادية أو للتيارات المتطرفة، بل عليهم تعزيز مسار الدولة المدنية، وضمان أن يكون العقد الاجتماعي قاعدة لحكم ديمقراطي يضمن مشاركة الجميع ويمنع التسلط باسم الدين...
اخوتي :
إن سورية اليوم بحاجة إلى إدراك حقيقة الغالبية الصامتة، الذين لم يحملوا السلاح ولا هتفوا بحماسة للخطاب الديني المتشدد، لكنهم يمارسون حياتهم اليومية ويؤمنون بالعدالة والقانون والمؤسسات، هذه الغالبية هي العمود الفقري لأي مستقبل مستقر، وتجاهلها يعني منح الفرصة لمن يريد أن يفرض نمط حكم ضيق ومتطرف، بينما اعتماد رؤيتها سيؤسس لسورية مدنية ديمقراطية، متماسكة، وقادرة على التعافي من الصراعات الطويلة...
الخاتمة:
الواقع السوري يثبت أن الأكثرية الساحقة من المواطنين، بما فيهم العرب السنة، ليسوا مؤيدين لنظام حكم إسلاموي، بل يميلون إلى دولة مدنية ديمقراطية تقوم على القانون والعقد الاجتماعي، ومن المؤسف أن السياسات والتصورات التي تتجاهل هذا التوجه الشعبي غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية. إذا أرادت الدولة المستقبلية أن تكون قوية ومستقرة، فعليها أن تستمع لهذه الغالبية، وتبني مستقبلها وفق تطلعاتها، بعيداً عن خطابات التطرف التي لا تعكس رغبة الناس الحقيقية.