
الحرب على إيران: إضعاف النظام أم تغييره؟
الحرب ليست معادلة ثابتة يمكن التنبؤ بنتائجها بسهولة، بل نظام معقد تتداخل فيه القرارات السياسية مع العمليات العسكرية وردود الفعل الاجتماعية. ولهذا، فإن فهم الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لا يقتصر على متابعة الضربات العسكرية، بل يتطلب قراءة الأهداف الاستراتيجية الكامنة وراءها.
السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تهدف هذه الحرب إلى تغيير النظام في إيران أم إلى إضعافه فقط؟
بدأت الحملة بضربة قاسية للنظام الإيراني تمثلت في اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وإلحاق ضرر كبير بهرم القيادة. وترافقت هذه الضربة مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موجّهة إلى الشعب الإيراني، وصفا فيها اللحظة بأنها "فرصة تاريخية".
لكن رغم مستوى التنسيق العسكري العالي بين واشنطن وتل أبيب، فإن افتراض وحدة الهدف الاستراتيجي بينهما قد لا يكون دقيقاً.
من وجهة نظر الولايات المتحدة، لا تُعد إيران مجرد خصم إقليمي، بل جزءاً من صراع أوسع بين القوى الكبرى. فواشنطن تعتبر الصين التحدي الاستراتيجي الرئيسي، وتسعى إلى توجيه مواردها العسكرية والسياسية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
في هذا السياق، يمكن لإضعاف إيران أن يخدم المصالح الأمريكية من خلال تقليص نفوذها الإقليمي وإضعاف ارتباطها بمحور يضم روسيا والصين وكوريا الشمالية. غير أن انهيار الدولة الإيرانية بالكامل قد يخلق فوضى إقليمية واسعة تهدد استقرار الخليج وخطوط الطاقة العالمية، وربما يجبر الولايات المتحدة على العودة إلى انخراط عسكري طويل في الشرق الأوسط.
لهذا، قد يكون الهدف الأمريكي الأقرب إلى الواقعية هو إيران ضعيفة ومقيّدة الحركة، لا إيران منهارة.
أما إسرائيل فتنظر إلى إيران من زاوية مختلفة. فهي تعتبرها تهديداً استراتيجياً مباشراً بسبب برنامجها النووي وشبكة القوى الحليفة لها في لبنان وسوريا والعراق وغزة. وعلى مدى سنوات، عملت طهران على بناء منظومة ردع إقليمية تعتمد على الصواريخ والقوى الوكيلة.
ومن هذا المنظور، قد ترى إسرائيل أن إضعاف إيران وحده غير كافٍ، وأن تغيير النظام قد يكون الطريق الأكثر ضماناً لإزالة تهديد طويل الأمد.
لكن إسقاط النظام الإيراني ليس مهمة سهلة. فقد بُنيت الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979 على شبكة معقدة من المؤسسات السياسية والدينية والأمنية، وفي قلبها الحرس الثوري الذي تحول إلى قوة عسكرية واقتصادية وسياسية كبرى.
وفي حال حدوث فراغ في القيادة، قد يصبح الحرس الثوري اللاعب الحاسم في تحديد مستقبل السلطة، وربما يقود انتقالاً تدريجياً نحو نظام أكثر عسكرية.
إلى جانب ذلك، يبقى المجتمع الإيراني عاملاً غير قابل للتنبؤ. فقد شهدت البلاد موجات احتجاج متكررة خلال العقدين الماضيين، لكن النظام نجح في قمعها في كل مرة. ومع الضغوط العسكرية الحالية، قد تنشأ موجة جديدة من الاضطرابات، لكن احتمال تحولها إلى صراع داخلي واسع يبقى قائماً.
في ضوء هذه العوامل، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للحرب: بقاء النظام في حالة ضعف، أو سيطرة الحرس الثوري على السلطة، أو انهيار داخلي يقود إلى فوضى وحرب أهلية.
تكشف هذه الحرب عن مستوى عالٍ من التنسيق العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تظهر فجوة استراتيجية محتملة بين أهداف الطرفين. فبينما قد ترى إسرائيل في انهيار النظام الإيراني نتيجة مرغوبة، قد تفضل الولايات المتحدة نتيجة أقل دراماتيكية: إيران ضعيفة لكنها مستقرة بما يكفي لمنع الفوضى الإقليمية.
ولهذا، قد لا تكون الحرب الحالية حرباً لإسقاط النظام في طهران، بل حملة تهدف أساساً إلى إعادة تشكيل ميزان القوة الإيراني وتقليص نفوذه الإقليمي.