
الإنترنت في إيران… حين تتحول الشبكة إلى ساحة حرب:
لم يعد انقطاع الإنترنت في إيران مجرد إجراء أمني عابر تفرضه ظروف الحرب أو تبرره الحسابات العسكرية الطارئة، بل أصبح وجهاً جديداً من وجوه الصراع نفسه، وخط تماس داخلي لا يقل خطورة عن خطوط النار المفتوحة على الجبهات. فحين تُقطع الشبكة في دولة يعيش ملايين من مواطنيها على الاقتصاد الرقمي، لا يكون الأمر متعلقاً بحجب تطبيق أو تعطيل منصة، بل بإرباك دورة الحياة اليومية وتعطيل شريان اقتصادي واجتماعي كامل.
في السنوات الأخيرة، لم يعد الإنترنت في إيران نافذة للترفيه أو وسيلة إضافية للتواصل، بل تحول إلى بنية تحتية موازية للحياة نفسها. النقل، توصيل الطعام، التجارة الإلكترونية، التحويلات المالية، العمل الحر، التعليم، وحتى الخدمات الصحية، جميعها باتت مرتبطة بشكل مباشر بالشبكة. وفي ظل العقوبات الاقتصادية الطويلة والانكماش المستمر، وجد مئات آلاف الإيرانيين في هذا الاقتصاد الرقمي مساحة للبقاء، لا مجرد فرصة للربح.
لهذا جاء بيان جمعية التجارة الإلكترونية في طهران أكثر من مجرد احتجاج مهني؛ كان بمثابة إنذار سياسي واقتصادي معاً. حين طالبت الجمعية بإعادة الإنترنت فوراً وبشكل كامل، فإنها لم تكن تدافع عن مصالح قطاع محدود، بل كانت تدق ناقوس الخطر حول اقتصاد ينزف بصمت. فالدولة التي تستطيع أن تتحمل تراجعاً في بعض القطاعات التقليدية، تجد نفسها عاجزة أمام انهيار الاقتصاد الرقمي، لأنه لا يهدد الشركات الكبرى فقط، بل يضرب مباشرة الطبقة الوسطى والشرائح الهشة التي تعيش على الأعمال الصغيرة والخدمات اليومية.
الخسائر هنا لا تُقاس بسرعة الاتصال أو بعدد المواقع المحجوبة، بل بحجم الانكماش الذي يتسلل إلى السوق كل يوم. عشرات الملايين من الدولارات تُفقد يومياً، ليس كأرقام مجردة، بل كرواتب تتأخر، ومتاجر تتوقف، وسلاسل توزيع تتعطل، وعائلات تفقد مصدر دخلها الوحيد. الأخطر من ذلك أن هذه الخسائر لا تظهر دفعة واحدة كما يحدث في القصف المباشر، بل تتراكم ببطء، كنزيف داخلي لا يُرى لكنه يهدد الجسد كله.
الحرب تدمر الجسور ومحطات الكهرباء في العلن، لكن قطع الإنترنت يدمر جسوراً أخرى أكثر خفاءً: جسور البيع، والدفع، والعمل، والتواصل، والثقة بين السوق والدولة. وهذا النوع من التدمير أشد خطورة لأنه يضرب الأعصاب الدقيقة للمجتمع، لا بنيته الصلبة فقط.
لكن المسألة تتجاوز الاقتصاد إلى ما هو أبعد: إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالتوسع في ما يسمى "الإنترنت الوطني" لا يبدو مجرد محاولة لحماية الأمن السيبراني أو تقليل الاختراق الخارجي، بل يكشف اتجاهاً واضحاً لإدارة الداخل عبر العزل الرقمي. الإبقاء على بعض الخدمات المحلية مع تقليص الاتصال بالعالم، وتشديد الخناق على أدوات تجاوز الحجب، لا يعني بناء سيادة رقمية بقدر ما يعني بناء فضاء مراقب ومغلق، تتحكم الدولة في مداخله ومخارجه.
هنا يتغير معنى الإنترنت نفسه. لم يعد فضاءً للتبادل والانفتاح، بل أداة ضبط وإدارة واحتواء. تتحول الشبكة من مساحة حرية إلى جدار إلكتروني، ومن نافذة على العالم إلى غرفة مغلقة ذات إضاءة خافتة، يُسمح فيها فقط بما لا يهدد الرواية الرسمية.
الأكثر استفزازاً للرأي العام ليس الانقطاع وحده، بل الإحساس المتزايد بأن هناك إنترنت خاصاً لفئات محددة، وإنترنت محروماً منه الباقون. الحديث عن وصول انتقائي لبعض المؤسسات أو الفئات إلى ما يسمى "الإنترنت الأبيض" أو المهني، مقابل عزل الغالبية داخل شبكة محدودة ومحجوبة، يخلق شعوراً مضاعفاً بالتمييز، ويحوّل الاتصال نفسه إلى امتياز طبقي وسياسي، لا إلى حق عام.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فحين يشعر المواطن أن الدولة لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تعيد توزيع القدرة على الحياة نفسها، يصبح الانقطاع أكثر من أزمة تقنية؛ يصبح أزمة ثقة. والسلطات التي تنجح في فرض الصمت الأمني، قد لا تنجح في احتواء الغضب الاجتماعي المتراكم تحت السطح.
إن أزمة الإنترنت في إيران ليست أزمة اتصال، بل أزمة نموذج حكم. إنها تكشف كيف يمكن للحرب أن تمتد من الحدود إلى الهاتف المحمول، ومن الجبهة العسكرية إلى تطبيق توصيل الطعام، ومن الصراع الإقليمي إلى تفاصيل الحياة اليومية لمواطن يبحث فقط عن لقمة عيش مستقرة.
في عالم اليوم، لم تعد الشبكة خدمة يمكن تعليقها مؤقتاً دون ثمن، بل أصبحت جزءاً من الحق في العمل والحياة والتنفس الاقتصادي. وكل ساعة انقطاع لا تعني فقط توقف خدمة، بل تأجيل حياة كاملة. ولذلك فإن استعادة الاتصال المستقر لا تعني إعادة الإنترنت فحسب، بل تعني إعادة شيء من التوازن إلى مجتمع أنهكته العقوبات والحرب والقلق المستمر.
فالدول قد تصمد تحت الحصار العسكري، لكنها تضعف كثيراً حين يُحاصر الناس داخل حياتهم اليومية. وهنا، تصبح الشبكة أكثر من مجرد إنترنت… تصبح اختباراً لحدود الصبر، ولشكل الدولة نفسها.