
"الإرهاب ليس دينًا قراءة في حدود الشرعية بين الإرهاب الصهيوني وإرهاب الجماعات المتأسلمة"
في عالم تتشابك فيه النزاعات وتتعدد فيه صور العنف، يتطلب من العقل النقدي تمييز الفروقات الجوهرية بين أشكال الإرهاب، بعيدًا عن الانحيازات السياسية أو العاطفية. ومن أبرز هذه المقارنات اليوم بين الإرهاب الذي تمارسه الدولة الصهيونية والإرهاب الذي تتبناه بعض الجماعات المتأسلمة، والتي اختارت العنف أسلوبًا للتعبير عن ثقافتها وفهمها لعقيدتها.
الإرهاب الصهيوني، في سياقه الواقعي، ليس مجرد تجاوز على القانون الدولي أو اعتداء على حقوق الإنسان، بل هو أيضًا استراتيجية سياسية ممنهجة تستخدمها دولة منظمة، مدعومة بأدوات الدولة والسلطة العسكرية، لتحقيق أهداف سياسية محددة على حساب حياة الشعوب الأخرى وحقها في العيش. هذا النوع من الإرهاب، رغم كل الحجج القانونية أو الأمنية التي قد تطرحها الدولة الممارِسة له، يظل انتهاكًا صارخًا لحقوق البشر ومبادئ العدالة.
على الجانب الآخر، هناك الجماعات التي تصف نفسها بأنها دينية، وتختار الإرهاب أسلوبًا للتعبير عن عقيدتها أو لممارسة نفوذها، غير مدركة أن الدين الذي يُفترض أنه رسالة سلام ورحمة، لا يشرع القتل أو التخريب. فالإسلام، كما هو واضح في نصوصه الصحيحة، لا يجيز لأحد أن يشرع على نفسه سلطة إصدار أحكام بالقتل أو الترهيب باسم العقيدة، ولا يمكن أن يتحول أي تعاليمه إلى أداة لإرهاب البشر. هؤلاء الذين يستخدمون الإرهاب كوسيلة للتعبير عن أنفسهم، في واقع الأمر، يسيئون إلى الدين، ويحوّلون العقيدة السامية إلى ذريعة للعنف، فيغدو الإرهاب عندهم أسلوبًا ثقافيًا مشوهًا، لا شرعيًا.
الفارق الأساسي بين الإرهابيين الصهاينة والجماعات المتأسلمة يكمن إذن في الشرعية والدين. فالإرهاب الصهيوني مدعوم بسياسة دولة، ويستغل القوة العسكرية، بينما الإرهاب باسم الدين لا يمتلك أي شرعية دينية، بل هو ابتكار فكر منحرف يسيء إلى العقيدة ويشوّهها. الدين الحقيقي، سواء كان إسلامًا أو غيره، لم يُشرّع يومًا للعنف ضد الأبرياء، ولم يستخدم الإرهاب كأداة للتوسع أو النفوذ.
إن النقاش هنا لا يتعلق بمستوى العنف أو عدد الضحايا، فالعنف مشروعًا أو غير مشروع يظل انتهاكًا إنسانيًا. بل يتعلق بالأيديولوجيا والفهم الصحيح للعقيدة، ومدى إدراك أن الدين، في جوهره، لا يحرض على الإرهاب ولا يجيزه، بينما الاستخدام الممنهج للعنف في السياسات الصهيونية يظهر كخطة مدروسة، بعيدة عن أي شعور ديني أو أخلاقي.
وفي هذا السياق، لا يمكن أن نغفل الحقيقة البسيطة والصريحة: ليس ربا من يشرع أو يحرض بعضًا من خلقه على بعض آخر، وليس دينًا يستخدم الإرهاب كأسلوب للتعبير والانتشار. هذه الكلمات هي الخيط الذي يربط بين الأخلاق والشرعية، بين الدين والإنسانية، ويضع حدودًا صارمة أمام أي تبرير للعنف باسم الله أو الدين.
في النهاية، يبقى الإنسان هو المعيار والضابط الأخلاقي لكل فعل. أي استخدام للعنف باسم الدين أو السياسة يحتاج إلى نقد صارم، ووعي إنساني يحمي المجتمع من الانحراف، ويؤكد أن الإرهاب ليس خيارًا مشروعًا لأي أيديولوجيا، وأن الحق في الحياة والكرامة هو الحد الأعلى الذي لا يجوز تجاوزه، وأن الدين، والرب الذي أمر بالعدل والرحمة، لا يشهد على شرعية الإرهاب أبدًا.