
الجنسية ليست غنيمة حرب: حين تُستعاد الدولة من فوضى التجنيس السياسي؟!.
تتداول منصّات التواصل الاجتماعي حديثًا عن احتمال سحب الجنسية السورية من أشخاص نالوا الجنسية خلال سنوات الحرب، في سياقات يصفها كثيرون بأنها كانت استثنائية، مرتبطة بالظرف الأمني والعسكري، وبشبكات نفوذ وولاءات لا علاقة لها بمعايير الانتماء القانوني للدولة. وبين التأييد الواسع لفكرة “تصحيح المسار”، والتخوف المشروع من تحوّل هذا التصحيح إلى انتقام أو هندسة ديموغرافية جديدة، تبرز قضية أكبر من كل الأسماء والتفاصيل: ما معنى الجنسية السورية أصلًا؟
الجنسية في أي دولة حديثة ليست مكافأة، ولا غنيمة تُمنح في لحظة ضعف، ولا ورقة تُوزّع وفق ميزان القوة أو الحاجة العسكرية. إنها عقد قانوني وسياسي بين الفرد والدولة، يقوم على شروط واضحة، وإجراءات شفافة، ومبدأ أساسي لا يمكن تجاوزه: سيادة القانون.
وخلال سنوات الحرب، لم تكن سوريا – كما يعرف الجميع – في وضعها الطبيعي من مؤسسات وضوابط. في تلك المرحلة المضطربة، جرى منح الجنسية في بعض الحالات ضمن سياقات غير مستقرة، بعضها ارتبط بالولاءات الميدانية أو التشكيلات المسلحة أو اعتبارات أمنية ظرفية. ومن الطبيعي اليوم، مع أي حديث عن إعادة بناء الدولة، أن يُطرح سؤال المراجعة: هل كانت تلك التجنيسات قانونية؟ هل استوفت شروطها؟ أم أنها كانت استثناءً فرضته الحرب ثم ترسّخ كأمر واقع؟
لكن الخطورة تبدأ عندما يتحوّل “التصحيح” إلى “تعميم”، وعندما يُستبدل خطأ الماضي بخطأ جديد. فالدولة التي تسحب جنسية يجب أن تفعل ذلك وفق قضاء مستقل وإجراءات فردية دقيقة، لا وفق انطباعات سياسية أو سرديات جماعية. لأن أول انهيار في مفهوم الدولة يبدأ حين تصبح الجنسية أداة عقاب أو اصطفاف.
وفي المقابل، فإن أخطر ما يمكن أن يُبنى فوق هذا الجدل هو منطق الردّ الطائفي أو العرقي المعاكس: أي التفكير في منح الجنسية أو سحبها كتعويض ديموغرافي، أو كميزان قوى بين جماعات أجنبية مختلفة. فذلك لا يعيد للدولة توازنها، بل يعمّق تحويلها إلى ساحة تنازع هويات، لا إلى كيان قانوني جامع.
إن استعادة هيبة الجنسية السورية لا تكون بإسقاطها جماعياً، ولا بإعادة توزيعها سياسياً، بل بإخضاع كل ملف إلى معيار واحد فقط: معيار القانون. من حصل عليها بطرق مخالفة يُحاسَب ضمن إطار قضائي واضح، ومن استوفى شروطها يبقى محمياً بحقوقه كاملة، بغضّ النظر عن خلفيته أو المرحلة التي جاء فيها.
الدولة لا تُبنى بذاكرة الانتقام، بل بذاكرة العدالة. ولا تُصان الهوية الوطنية بإعادة تشكيل السكان، بل بإعادة الاعتبار للقانون نفسه.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: حين تتحول الجنسية إلى أداة في صراع النفوذ، لا يعود السؤال من هو السوري، بل: هل ما زالت هناك دولة تستحق أن تُنسب إليها هذه الجنسية؟