--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

الخديعة الكبرى: حين اختُزلت سوريا في حكاية

Salah Kirata • ٢٥‏/٥‏/٢٠٢٦

38253.jpg

الخديعة الكبرى: حين اختُزلت سوريا في حكاية

في لحظات الانفجار التاريخي تبحث الشعوب دائماً عن قصة سهلة تروي بها ما جرى. قصة قصيرة، واضحة، قابلة للتكرار، تمنح الفوضى معنى، وتحول المسار المعقد إلى مشهد واحد يمكن حفظه وتداوله. هكذا ولدت رواية أن ما حدث في سوريا بدأ من حادثة محددة في درعا، وأن كل ما تلاها كان نتيجة مباشرة لها. ومع مرور الوقت لم تعد الرواية مجرد تفصيل ضمن سياق واسع، بل تحولت إلى مفتاح تفسير كامل لبلد بأكمله.

لكن حين يبدأ الزمن بكشف التناقضات، وتظهر شهادات جديدة أو قراءات مختلفة أو مراجعات علنية لبعض الوقائع، يصبح السؤال أكثر أهمية من الدفاع عن الرواية نفسها: هل كانت سوريا تحتاج أصلاً إلى تلك القصة كي تثور؟

هذا هو جوهر المسألة.

إذا كانت بعض الشهادات التي ظهرت في السنوات الأخيرة، سواء عبر إفادات علنية أو روايات من أشخاص كانوا حاضرين أو معنيين بالأحداث، تدفع إلى مراجعة بعض التفاصيل التي استقرت في الوعي العام، فإن الخطأ ليس في مراجعة التفاصيل. الخطأ هو أننا سمحنا لتفصيل واحد أن يتحول إلى أصل الحكاية كلها.

لقد جرى تسويق سردية تختزل بلداً عمر أزمته عقود في حادثة واحدة. ومع الوقت صار أي تشكيك في تلك الحادثة يبدو وكأنه تشكيك بكل ما سبقها وما تلاها. وهنا وقعت الخديعة الكبرى.

فالثورات لا تنفجر بسبب حادث منفرد مهما كان قاسياً. الدول لا تنهار لأن موظفاً أساء التصرف أو لأن مسؤولاً تجاوز حدوده. هذه أمور قد تكون شرارات، لكنها لا تصنع وحدها الحريق. الحريق يحتاج إلى تراكم طويل من الاختناق السياسي، وانسداد الأفق، وانعدام الثقة، وتحلل العقد الاجتماعي.

في الحالة السورية، السؤال الحقيقي ليس: هل حدثت تلك الواقعة كما رُويت أم لا؟

السؤال الأهم: لماذا كان المجتمع قابلاً للاشتعال أصلاً؟

بلد عاش عقوداً تحت نظام سياسي مغلق، مع تراجع المجال العام، وتآكل المؤسسات، وتراكم الفساد، وتحويل السياسة إلى إدارة ولاءات، كان يحمل في داخله أسباب الانفجار قبل سنوات طويلة من آذار 2011.

ومن هنا يصبح الاكتشاف المتأخر لثغرات بعض الروايات خطيراً إذا استُخدم لإنتاج نتيجة معاكسة تقول: بما أن الرواية الأولى كانت ناقصة أو مبالغاً فيها، إذن لم يكن هناك سبب للاحتجاج.

هذا منطق معيب.

لأن وجود رواية ضعيفة لا يلغي وجود أزمة حقيقية، كما أن انهيار قصة رمزية لا يبرئ بنية سياسية كاملة من مسؤولياتها.

وفي المقابل، فإن الاعتراف بأن بعض السرديات استُخدمت تعبئوياً لا يعني إدانة الناس الذين خرجوا أو تجريم غضبهم أو إنكار المظالم التي كانت قائمة. لكنه يفرض واجباً مختلفاً: مراجعة الذات، وفهم كيف تتحول السياسة إلى صناعة أساطير، وكيف تتحول المجتمعات في لحظات الانفعال إلى أسرى للقصص الأكثر تأثيراً لا الأكثر دقة.

الدرس الأهم ربما ليس أن رواية ما كانت ناقصة، بل أن اختزال التاريخ دائماً يقود إلى الكوارث.

حين تتحول السياسة إلى حكاية، والحقيقة إلى شعار، يصبح الجميع مستعداً لتصديق ما يريد تصديقه.

وسوريا دفعت ثمناً هائلاً لأن كثيرين ـ من كل الجهات ـ فضّلوا الرواية على الواقع.

وإذا كان من معنى لأي مراجعة اليوم، فهو ألا يُعاد بناء المستقبل على أساطير جديدة، ولا على ندم أعمى، بل على قدرة صعبة ونادرة: الاعتراف بأن الأوطان أكبر من القصص التي تُروى عنها، وأن الحقيقة لا تُولد من الشعار، بل من الجرأة على النظر إلى الماضي دون تقديس ودون إنكار.