
الكهرباء بين سيف التحصيل وحدود العدالة الاجتماعية، قراءة في خدمة الكهرباء في تهدين أو نظامين، نظام مستبد ونظام مؤمن.
تصريح المدير العام لكهرباء دمشق حول استمرار سحب العدادات بحق المشتركين المتخلفين عن الدفع لثلاث دورات متتالية، وتأكيده أن الإجراء قانوني ويُطبق يومياً، ليس مجرد خبر إداري عابر. إنه إعلان واضح عن انتقال العلاقة بين المواطن والخدمة العامة إلى مرحلة أكثر صرامة، تُدار بمنطق التحصيل قبل أي اعتبار اجتماعي آخر.
هنا لا مجال للتجميل: الدولة، عبر مؤسساتها الخدمية، تقول للمواطن بشكل مباشر إن عدم الدفع يعني فقدان الخدمة بالكامل. لا تدريج، لا حلول وسط، ولا قراءة معمقة للظروف المعيشية التي يعيشها الناس في بلد أنهكته الأزمات الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية بشكل حاد.
المشكلة ليست في مبدأ الدفع بحد ذاته، فهذا بديهي في أي منظومة خدمية. المشكلة في السياق: حين يكون الدخل ضعيفاً، والأسعار مرتفعة، والكهرباء نفسها غير مستقرة، يصبح تحويل الفاتورة إلى سيف مسلط على رقاب الناس قراراً يمسّ جوهر العدالة الاجتماعية، لا مجرد إجراء إداري.
في التجربة السورية السابقة، ورغم كل ما يمكن قوله عن الأخطاء والاختلالات، كان هناك تصور واضح لفكرة “الخدمة العامة”. الكهرباء كانت تُعامل كضرورة لا كسلعة خالصة، حتى لو كان ذلك على حساب التقنين أو الضغط على الشبكة أو تراكم مشكلات مزمنة. لم يكن الهدف حينها هو معاقبة المواطن على عجزه، بل الإبقاء على الحد الأدنى من استمرارية الحياة اليومية، ولو بحدودها الدنيا.
اليوم، يتغير المشهد. تتحول الكهرباء تدريجياً إلى ملف مالي بحت، وتُفصل عن بعدها الاجتماعي، ويُطلب من المواطن أن يتعامل معها كفاتورة يجب دفعها أو فقدانها، دون اعتبار كافٍ لقدرة الدفع نفسها. وهنا تحديداً يبدأ الخلل.
لأن المشكلة ليست في وجود متخلفين عن الدفع فقط، بل في واقع اقتصادي يجعل التأخر نفسه نتيجة طبيعية لا استثناء. في مثل هذا السياق، يصبح سحب العدادات إجراءً لا يعاقب “المخالف” فقط، بل يطال بالدرجة الأولى الفئات الأضعف، التي لا تملك أصلاً هامش اختيار حقيقي.
وإذا كان هناك من يبرر ذلك بمنطق “العدالة في التحصيل”، فإن العدالة نفسها لا يمكن أن تُختزل في دفتر فواتير. العدالة تعني أيضاً أن تكون الخدمة قابلة للحياة بالنسبة لمن تُفرض عليه، لا أن تتحول إلى عبء يؤدي إلى حرمانه منها بالكامل.
المفارقة أن هذا التحول في السياسات يعيد إنتاج سؤال قديم بصيغة جديدة: هل الدولة هنا تدير خدمة عامة، أم تدير عملية تحصيل مالي بحت؟ وإذا كانت النتيجة النهائية أن المواطن الفقير هو من يدفع الثمن الأكبر، فالمشكلة لم تعد تقنية، بل سياسية واجتماعية في جوهرها.
الخطاب القديم كان مليئاً بالشعارات الكبيرة، لكن جوهره كان يقوم على فكرة واحدة: ضمان الحد الأدنى من تماسك المجتمع عبر تأمين احتياجاته الأساسية. أما اليوم، فالصياغة أكثر بروداً: التزام، فاتورة، قطع، سحب عداد.
وفي كل مرة تُتخذ فيها مثل هذه الإجراءات، لا يُعاقب المتخلف عن الدفع فقط، بل يُعاد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة على أساس أكثر خشونة وأقل توازناً.
الخلاصة أن الكهرباء ليست مجرد خدمة يمكن إدارتها بمنطق تجاري صرف في سياق هش اقتصادياً. التعامل معها بهذه الطريقة، دون شبكة أمان اجتماعي واضحة، يعني ببساطة نقل العبء كاملاً إلى المواطن، دون معالجة الأسباب التي جعلت الدفع نفسه غير ممكن عند شريحة واسعة.
وهنا يكمن جوهر الإشكال:
ليس في ضرورة التحصيل، بل في طريقة فهم من يستطيع ومن لا يستطيع، وفي من يدفع ثمن السياسات عندما تتحول الخدمة العامة إلى أداة ضغط بدل أن تكون حقاً منظماً بقدر من العدالة...
باختصار:
أن النظام السابق كان يدعم الكهرباء وسواها من احتياجات لا يمكن لمواطنيه ان يستغنوا عنها، ولم يفكر للحظة أن يحرم أي من مواطنيه ماهم بحاجة إليه حتى أنه اضطر التقنين وربما أحد أسبابه التعديات على الشبكة وسرقة التيار والصرف المبالغ به ومع ذلك لم يفكر بالعقاب الذي سيقع على فقراء سورية من غير القادرين على تسديد قيمة الفواتير ذات الأرقام الفلكية وربما بذا يدفعون المواطن البسيط ليقارن بين عهدين أو زمنين ومن شعارين :
- سيدنا للأبد سيدنا محمد
- أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة
و :
وحدة حرية اشتراكية
و :
عهدنا ان نتصدى الإمبريالية والصهيونية والرجعية وعاداتهم المجرمة عصابة الإخوان المسلمين العميلة