
الخصخصة الشاملة في سورية:
( إصلاح اقتصادي أم مسار لتفكيك الدولة الاجتماعية) ؟
تتحرك الحكومة السورية الانتقالية في مسار اقتصادي متسارع يقوم على خصخصة قطاعات كانت تاريخياً من ركائز الدولة( الصحة، التعليم، التجارة العامة، والقطاع العام الإنتاجي)،ويُقدَّم هذا التوجه باعتباره “إصلاحاً” ضرورياً لإنقاذ الاقتصاد وإعادة هيكلته، لكنه في جوهره يطرح سؤالاً أخطر وهو :
- هل نحن أمام إصلاح اقتصادي...
- أم أمام إعادة تشكيل كاملة للعقد الاجتماعي السوري دون تفويض شعبي أو دستوري مكتمل؟..
للعلم:
إن خصخصة القطاع الصحي تعني عملياً نقل العلاج من كونه حقاً عاماً مكفولاً إلى سلعة تخضع للقدرة الشرائية، وهو ما يؤدي بطبيعته إلى إقصاء الفئات الأضعف من المنظومة الصحية أو تقليص فرصها في الوصول إلى العلاج...
وخصخصة التعليم لا تعني فقط تطويراً إدارياً، بل تعني تحويل المعرفة من حق عام إلى امتياز طبقي، يُعاد توزيعه وفق الدخل لا وفق المساواة في الفرص، بما يفتح الباب أمام تجهيل شرائح واسعة من المجتمع أو دفعها إلى الهامش التعليمي...
أما تحويل مؤسسات مثل السورية للتجارة ومنافذ الدعم والخدمات الأساسية إلى منطق السوق والربح الكامل، فهو مسار ينذر بتقليص شبكات الأمان الاجتماعي ورفع كلفة المعيشة على نطاق واسع، في مجتمع يعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية عميقة،
وفي القطاع العام، فإن التوسع في الخصخصة أو إعادة الهيكلة غير المدروسة يؤدي إلى تسريح أعداد كبيرة من العمال، مع ما يعنيه ذلك من نقل عبء اجتماعي ضخم إلى الشارع دون بدائل إنتاجية حقيقية أو برامج حماية كافية...
اذاً:
المشكلة الأساسية ليست في مبدأ الإصلاح الاقتصادي من حيث النظرية، بل في طبيعته داخل مرحلة انتقالية تفتقر إلى الشرعية الدستورية المستقرة والتفويض الشعبي الكامل، فالحكومات الانتقالية، وفق أبسط قواعد المنطق السياسي والدستوري، وظيفتها إدارة المرحلة والتهيئة لانتقال شرعي كامل، لا اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد تُقيد مستقبل الدولة وتُفرض كأمر واقع على أجيال لاحقة...
ومن هنا تبرز قاعدة فكرية وسياسية معروفة:
أن القرارات الكبرى التي تمس بنية المجتمع والدولة لا تكتسب مشروعيتها من كونها “ممكنة اقتصادياً” فقط، بل من كونها صادرة عن سلطة مكتملة الشرعية أو عن توافق وطني واسع. وإلا فإنها تبقى قرارات موضع نزاع، حتى لو طُبقت واقعياً...
وفي هذا السياق، فإن الاستمرار في فرض تحولات بنيوية عميقة في الاقتصاد السوري دون عقد اجتماعي جديد أو تفويض واضح، يفتح الباب أمام أزمة شرعية سياسية وأخلاقية، لأن ما يُبنى في لحظة انتقالية غير مستقرة قد يتحول لاحقاً إلى بنية دائمة يصعب الرجوع عنها، حتى لو ثبت ضررها الاجتماعي...
عموماً:
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس:
- هل الخصخصة جيدة أم سيئة؟..
بل:
- من يملك حق اتخاذ قرارات بهذا الحجم؟..
- وفي أي لحظة سياسية تُفرض هذه القرارات؟..
- وعلى حساب من تُبنى نتائجها طويلة الأمد؟..
لأن مستقبل الدولة لا يُقاس فقط بقدرتها على الإصلاح، بل بقدرتها على ألا تتحول لحظة الانتقال إلى لحظة إعادة توزيع قسرية للثروة والحقوق دون تفويض شعبي واضح.