
الخصخصة حين تُجرَّد من العدالة: من يملك الحق في الحياة؟
ليست كلّ التحوّلات إصلاحاً، ولا كلّ الشعارات الاقتصادية تعني تقدّماً. فحين يُعاد تعريف الحقوق الأساسية بوصفها “خدمات قابلة للبيع”، يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام إصلاح، أم أمام إعادة توزيع قاسية للحق في الحياة نفسه؟
ما يجري اليوم في ملفي الصحة والتعليم لا يمكن اختزاله في كونه توجهاً اقتصادياً نحو “السوق الحر”، بل هو تحوّل يمسّ جوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها. فالدولة التي تنسحب من التزاماتها الأساسية، لا تعيد تنظيم السوق فحسب، بل تعيد تعريف من يستحق الحماية… ومن يُترك لمصيره.
لقد كانت الطبابة المجانية، رغم كلّ ما قيل فيها، صمّام أمان حقيقياً. لم تكن مثالية، لكنها كانت تعني أنّ الفقير لا يُحكم عليه بالموت لأنه لا يملك ثمن العلاج. وكذلك التعليم، الذي لم يكن ترفاً، بل كان السلم الوحيد الذي صعد عليه آلاف السوريين نحو حياةٍ أفضل، داخل البلاد وخارجها.
أما اليوم، فإنّ الحديث عن خصخصة المشافي، وتقليص الدعم، ورفع كلفة الخدمات الأساسية، لا يمكن فصله عن نتائجه المباشرة: تحويل المرض إلى عبء مالي قاتل، وتحويل التعلم إلى امتياز، لا حقاً. وهنا، لا يعود السؤال اقتصادياً، بل إنسانياً بامتياز: من يستطيع أن يدفع… ومن لا يستطيع؟
التجارب من حولنا واضحة ولا تحتاج إلى تنظير. في بيئاتٍ مشابهة، لم تؤدِّ الخصخصة غير المنضبطة إلى تحسين الخدمات بقدر ما أدّت إلى إقصاء الفئات الأضعف، حيث يصبح باب المستشفى اختباراً للقدرة المالية، لا للحاجة الطبية. وحين يصل المجتمع إلى هذه النقطة، لا تعود المسألة إصلاحاً، بل انهياراً مقنّعاً.
الأكثر إثارة للقلق أنّ هذا المسار يُطرح في توقيت يُفترض أن يكون معاكساً تماماً. فمع انفتاحٍ سياسي، وتدفّق وعود بالدعم والاستثمار، كان المنطقي أن تتحسّن شروط الحياة الأساسية، لا أن تتدهور. لكن الواقع يشير إلى العكس: ارتفاع تكاليف المعيشة، تراجع القدرة الشرائية، وتآكل تدريجي لما تبقّى من خدمات عامة.
هذا التناقض لا يمكن تجاهله، لأنه يكشف خللاً في الأولويات. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جيب المواطن، بل من كفاءة الإدارة، وعدالة التوزيع، ومكافحة الهدر والفساد. أمّا تحميل الناس كلفة التحوّل، دون ضمانات حقيقية، فليس إصلاحاً، بل نقلٌ للأزمة من الدولة إلى المجتمع.
إنّ أخطر ما في هذا المسار، ليس فقط نتائجه الاقتصادية، بل ما يرسّخه من منطق: أنّ الحق في العلاج والتعليم لم يعد مضموناً، بل مشروطاً. وهذا بحدّ ذاته تحوّل عميق، يهدّد فكرة الدولة الحديثة، ويعيد المجتمع إلى معادلة قاسية: من يملك، يعيش أفضل… ومن لا يملك، ينتظر.
إنّ الصمت أمام هذا التحوّل ليس حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في ترسيخه. والمطلوب اليوم ليس رفضاً عاطفياً، بل موقفاً واعياً يضع خطوطاً واضحة: الإصلاح لا يعني التخلّي عن الفقراء، والسوق لا يمكن أن يكون بديلاً عن العدالة.
في النهاية، لا يُقاس نجاح أيّ نظام اقتصادي بعدد مشاريعه، بل بقدرته على حماية أضعف مواطنيه. وأيّ مسارٍ يُضعف هذه الحماية، مهما كانت مبرّراته، هو مسار يستحق التوقّف عنده… ومساءلته بوضوح.