
اللواء محمد الخولي: رجل المخابرات الجوية في زمن حافظ الأسد:
يُعدّ اللواء محمد الخولي واحدًا من أكثر الشخصيات نفوذًا في بنية الأمن السوري خلال العقود الأولى من حكم . ارتبط اسمه بتأسيس وتكريس نفوذ كجهاز أمني يتجاوز وظيفته التقنية في حماية سلاح الجو، ليصبح ذراعًا سياسيًا وأمنيًا مركزيًا في الدولة.
وُلد الخولي في محافظة ، والتحق مبكرًا بسلاح الجو، وتدرّج في الرتب داخل المؤسسة العسكرية. قربه المهني والسياسي من حافظ الأسد – منذ مرحلة قيادة الأسد لسلاح الجو قبل تولّيه الرئاسة – مهّد لصعوده السريع داخل مفاصل القوة.
بعد “الحركة التصحيحية” عام 1970، أسند الأسد إلى الخولي قيادة المخابرات الجوية. خلال هذه الفترة تحوّل الجهاز من إطار استخباري تقني إلى جهاز أمني واسع الصلاحيات، منخرط في:
- المراقبة الداخلية وجمع المعلومات عن المعارضين.
- التنسيق مع الأجهزة الأخرى في ملفات أمنية حسّاسة.
- نشاطات استخبارية خارج الحدود في سياق الصراعات الإقليمية في تلك الحقبة.
هذا التوسّع جعل المخابرات الجوية إحدى أقوى ركائز “الدولة الأمنية” في سوريا، مع ارتباط مباشر بمركز القرار السياسي.
قضية هندّاوي وتداعياتها
في منتصف الثمانينيات، واجه الجهاز أزمة دولية على خلفية ، حين كُشفت محاولة تفجير طائرة ركاب إسرائيلية في . التحقيقات البريطانية ربطت المتورّطين بخيوط تصل إلى دمشق، ما وضع النظام السوري تحت ضغط سياسي كبير.
في أعقاب ذلك، أُعفي الخولي من رئاسة المخابرات الجوية عام 1987. هذه الإقالة لم تكن إعلان قطيعة نهائية بقدر ما كانت إعادة تموضع داخل المنظومة.
لم يُقصَ الخولي من الدولة بعد 1987، بل عاد إلى مواقع قيادية داخل في التسعينيات، قبل أن يتراجع حضوره تدريجيًا مع إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية والأمنية في أواخر عهد الأسد الأب وبدايات عهد الابن.
تجربة محمد الخولي تكشف عن نمط حكم قائم على:
- ربط الأجهزة الأمنية مباشرة برأس السلطة.
- توسيع صلاحيات جهاز بعينه ليوازن أجهزة أخرى ويضبطها.
- تحويل الأمن من وظيفة حماية إلى أداة إدارة سياسية داخلية وخارجية.
لم يكن الخولي “واجهة” إعلامية للنظام، بل مهندسًا عمليًا لآليات السيطرة في زمن حساس إقليميًا (الحرب الباردة، الصراع العربي–الإسرائيلي، ملفات لبنان). لذلك، يبقى اسمه حاضرًا في أي قراءة جادة لبنية الدولة الأمنية السورية.
تاريخ اللواء محمد الخولي يقدّم مثالًا واضحًا على كيف يمكن لضابط محترف أن يتحوّل إلى ركيزة في منظومة حكم أمنية مركزية. تقييم دوره لا يكتمل دون الفصل بين أمرين:
- كفاءته التنظيمية في بناء جهاز قوي ومتماسك.
- الأثر السياسي والأخلاقي لتضخّم سلطة الأجهزة على حساب المؤسسات المدنية والرقابة العامة.
بهذا المعنى، الخولي ليس مجرد شخصية من الماضي، بل مفتاح لفهم كيف تشكّلت بنية السلطة في سوريا الحديثة، وكيف أُدير التوازن بين الأمن والسياسة لعقود طويلة.