
الليرة السورية بين مطرقة الاقتصاد وسندان السياسة
لم تعد مسألة تراجع الليرة السورية مجرد رقم يتبدل على شاشات الصرافة أو حديث يومي في الأسواق، بل أصبحت مرآة حقيقية لحجم الأزمة التي يعيشها الاقتصاد السوري بكل تفاصيله. فكل انخفاض جديد في قيمة العملة المحلية لا يعكس فقط خللاً مالياً عابراً، بل يكشف عن بنية اقتصادية مثقلة بتداعيات الحرب، وضعف الإنتاج، وتراجع الثقة، وغياب الاستقرار.
حين ترتفع معدلات التضخم إلى مستويات مرهقة تلتهم دخول الناس ومدخراتهم، يصبح الاحتفاظ بالليرة مخاطرة يومية بالنسبة للمواطن قبل التاجر. الأسعار تقفز بوتيرة أسرع من قدرة الرواتب على اللحاق بها، فيما تتآكل القدرة الشرائية بشكل مستمر، فيتحول البحث عن الدولار أو الذهب من خيار استثماري إلى وسيلة دفاع عن الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي.
المشكلة لا تقف عند حدود التضخم فقط، بل تمتد إلى عمق الهيكل الإنتاجي نفسه. فالاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد أكثر من اعتماده على الصناعة والزراعة المحلية، يضع نفسه تلقائياً تحت رحمة العملات الأجنبية. وكلما تراجع الإنتاج الوطني، ازداد الطلب على الدولار لتأمين المستوردات، فتتسع الفجوة بين الحاجة إلى القطع الأجنبي وبين القدرة على توفيره، وتبدأ الليرة بدفع الثمن.
سنوات الحرب تركت ندوباً عميقة لم تقتصر على البنية التحتية أو المؤسسات، بل أصابت جوهر الاقتصاد الوطني. الناتج المحلي تقلص، والاستثمارات هربت، وفرص العمل انكمشت، واتسعت رقعة الفقر إلى مستويات غير مسبوقة. وفي مثل هذا المناخ، لا يمكن لأي عملة أن تحافظ على قوتها، لأن العملة في النهاية ليست سوى انعكاس مباشر لصحة الاقتصاد وثقة الناس به.
أما العامل السياسي، فهو الشريك الأكثر حضوراً في هذه المعادلة. فالمنطقة بأكملها تعيش على إيقاع التوترات والصراعات، وأي اضطراب إقليمي جديد ينعكس فوراً على الأسواق المالية وسلوك المستثمرين. الحروب، الأزمات، والضبابية السياسية تدفع الجميع نحو الملاذات الآمنة، فيتجه رأس المال إلى الدولار والذهب، بينما تبقى العملات المحلية في مواجهة مفتوحة مع القلق والخوف.
ولا يمكن تجاهل دور السوق نفسه، حيث تحكم العلاقة بين العرض والطلب مسار سعر الصرف بشكل يومي. عندما يزداد الإقبال على الدولار من قبل المستوردين والأفراد، في ظل شح واضح في المعروض من العملات الأجنبية، تصبح الضغوط على الليرة أكبر من قدرة السوق على الاحتمال. هنا لا يعود السؤال: لماذا ترتفع الأسعار؟ بل: كيف يمكن أن تتوقف عن الارتفاع؟
في المقابل، فإن أي تدخل نقدي لا يستند إلى معالجة حقيقية للأسباب الأساسية يبقى مجرد مسكن مؤقت. فالإجراءات الإدارية وحدها لا تصنع استقراراً دائماً، بل قد تمنح السوق هدنة قصيرة قبل موجة اضطراب جديدة. الحل لا يكون بملاحقة النتائج، بل بمواجهة الأسباب: دعم الإنتاج، تحفيز الاستثمار، استعادة الثقة، وبناء سياسة نقدية واقعية لا تعتمد فقط على القرارات الطارئة.
الليرة السورية لا تحتاج إلى دفاع نظري بقدر ما تحتاج إلى اقتصاد قادر على حمايتها. فالعملة لا تستمد قوتها من الشعارات، بل من المصانع التي تعمل، والحقول التي تنتج، والأسواق التي تثق، والدولة التي تمتلك رؤية واضحة للمستقبل. وما لم تُعالج هذه الجذور بجدية، ستبقى الليرة تدفع ثمن أزمة أكبر منها بكثير.