
المارونية الصهيونية وهاكابي عندما يتحول الدين إلى سياسة:
إذا أردنا فهم بعض التحولات الحاسمة في السياسة اللبنانية، لا يمكن تجاهل ظاهرة «المارونية الصهيونية» التي لطالما شكلت تياراً غير معلن داخل الطائفة المارونية. هذا التيار يرى في إسرائيل شريكاً استراتيجياً، ويبرر ذلك بمزيج من العقيدة الدينية والمصالح السياسية، وهو نفس النمط الفكري الذي ولد وأصبح جزءاً من بيئة هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل، أحد أشد المتحمسين لهذه العقيدة على المستوى الدولي.
هاكابي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج عقيدة مسيحية صهيونية راسخة ترى في إسرائيل حقاً إلهياً على الأرض. النصوص المقدسة، في نظره وبيئته الفكرية، ليست مجرد كتاب ديني، بل خارطة سياسية وإستراتيجية تحدد أولويات التحالفات، وترسم مبدأ أن دعم إسرائيل ليس خياراً بل قدرٌ مُقدر. وهذا بالضبط ما حصل في لبنان: بعض قيادات الموارنة لم يعتبروا إسرائيل خصماً، ولم يقفوا يوماً في مواجهة مشاريعها، بل اعتبروها حليفاً استراتيجياً، حتى جاءت لحظة التفاهم الوطني الذي أعاد ترتيب العلاقة لأول مرة في التاريخ اللبناني الحديث.
التحليل المقارن يظهر التوازي الصادم بين البيئتين: المسيحية الصهيونية الأمريكية والمارونية الصهيونية اللبنانية. في كلا الحالتين، النصوص الدينية تتحول إلى أدوات تفسير للسياسة، والأيديولوجيا العقائدية تتقاطع مع المصالح الواقعية، بحيث يصبح الدفاع عن إسرائيل أو التمسك بتحالف معها ليس مجرد سياسة، بل واجب ديني. في الولايات المتحدة، هذا الاعتقاد ينعكس في دعم إسرائيل كجزء من خطة إلهية لاستعادة عهد الله للشعب اليهودي، وفي لبنان، انعكس في تحالفات سياسية غير تقليدية أضفت شرعية دينية على الخيارات الاستراتيجية.
فهم هذه الظاهرة لا يقتصر على قراءة الماضي، بل يضيء حاضر لبنان ومستقبله. المارونية الصهيونية، مثل بيئة هاكابي، تكشف لنا أن الدين قادر على تحويل السياسة إلى مشروع مُقدس، وأن التحالفات الاستراتيجية يمكن أن تصبح محكومة بعقيدة، قبل أن تكون محكومة بالمصلحة الوطنية. هذا التوازي بين الشرق والغرب، بين بيروت وواشنطن، ليس مجرد صدفة؛ إنه دليل على أن العقيدة يمكن أن تشكّل سياسة، وأن السياسة يمكن أن تُقدَّس، وأن الفهم العميق لهذا الواقع ضروري لكل من يريد قراءة موازين القوة الحقيقية في المنطقة.