
المفاوضات الأمريكية–الإيرانية برعاية باكستان: إدارة أزمة أم تأجيل لانفجار مؤجل؟
في المشهد الدولي الراهن، لا تبدو المفاوضات الأمريكية–الإيرانية التي تُدار برعاية باكستانية كمسار دبلوماسي تقليدي يتجه نحو تسوية تدريجية، بل أقرب إلى عملية “إدارة توتر طويل” تُبقي الصراع تحت سقف منخفض من التصعيد دون أن تملك القدرة على تفكيكه جذريًا. ما يجري ليس تفاوضًا بالمعنى الكلاسيكي، بل توازن هش بين طرفين يملكان القدرة على التعطيل أكثر مما يملكان إرادة الحسم، وبينهما وسيط يحاول تثبيت خطوط الاتصال في غرفة مليئة بالدخان.
في هذا السياق، تتكاثر الاتهامات المتبادلة: واشنطن تتهم طهران بأنها تُفرغ المفاوضات من مضمونها عبر تغيير الشروط ورفع سقف المطالب، بينما ترى إيران أن الولايات المتحدة تستخدم التفاوض كغطاء لإعادة إنتاج الضغوط والعقوبات دون تقديم ضمانات حقيقية. أما باكستان، فتتحرك كوسيط نشط لكنه محدود الأدوات، يحاول الحفاظ على قناة التفاوض مفتوحة أكثر مما يسعى إلى إنتاج اختراق فعلي.
باكستان: وسيط الضرورة لا وسيط الحسم
الدور الباكستاني في هذه المرحلة يعكس تحوّلًا مهمًا في الجغرافيا الدبلوماسية الإقليمية. فإسلام آباد لم تعد مجرد طرف هامشي في التفاعلات الكبرى، بل تحاول تثبيت موقعها كجسر بين عوالم متناقضة: الغرب من جهة، وإيران من جهة أخرى، مع إدراك كامل أن أي انهيار في هذا المسار قد ينعكس مباشرة على أمنها وحدودها ومصالحها الاقتصادية.
لكن هذه الوساطة، رغم حركيتها، تظل بلا “عصا ضغط” حقيقية. فهي لا تستطيع إلزام واشنطن بتقديم تنازلات، ولا تملك القدرة على دفع طهران لتغيير جوهري في حساباتها الاستراتيجية. لذلك تبدو باكستان كمن يمسك بخيط تفاوضي رفيع، يحاول منع انقطاعه أكثر مما يحاول شده نحو نتيجة محددة.
أزمة الثقة: جوهر الانسداد الحقيقي
المعضلة الأساسية في هذه المفاوضات ليست تقنية ولا قانونية، بل سياسية بامتياز: انهيار الثقة بين الطرفين.
الولايات المتحدة تنظر إلى الملف الإيراني من زاوية أمنية إقليمية شاملة، تشمل البرنامج النووي، والنفوذ في المنطقة، وأمن الممرات البحرية. في المقابل، ترى إيران أن أي اتفاق لا يتضمن رفعًا جوهريًا للعقوبات وضمانات سياسية وأمنية واضحة، هو مجرد إعادة تدوير للضغط وليس تسوية.
هذا التباين لا ينتج مجرد اختلاف في التفاصيل، بل اختلاف في تعريف “الاتفاق نفسه”. ولهذا السبب، تتحول كل جولة تفاوض إلى مساحة لاختبار النوايا لا لبناء التفاهمات، ويصبح كل تقدم محدود عرضة للتراجع في الجولة التالية.
اتهامات التعطيل: جزء من لعبة التفاوض
في مثل هذا النوع من المفاوضات عالية الحساسية، لا تُستخدم الاتهامات كوصم سياسي فقط، بل كأداة تفاوضية.
واشنطن توظف خطاب “التعطيل الإيراني” لرفع كلفة الموقف الإيراني دوليًا وإقليميًا، بينما تستخدم طهران خطاب “التعطيل الأمريكي” لتعزيز موقفها الداخلي وتبرير التشدد. وبين الخطابين، يتحول الرأي العام في البلدين إلى جزء من معادلة الضغط، لا مجرد متلقٍ لها.
وهكذا يصبح التعطيل نفسه عنصرًا تفاوضيًا: كل طرف يريد أن يظهر بمظهر الطرف المرن، بينما يحمّل الآخر مسؤولية الجمود.
الساعات الـ72 القادمة: ثلاث مسارات محتملة
وفق ديناميات التحرك الحالية، يمكن قراءة الساعات الـ72 القادمة ضمن ثلاثة مسارات رئيسية:
أولًا: مسار التجميد المرجّح وهو السيناريو الأكثر احتمالًا، حيث تستمر الوساطة الباكستانية دون انهيار، مع بقاء القنوات مفتوحة، وتكاثر التصريحات المتناقضة دون اختراق حقيقي. في هذا المسار، تُدار الأزمة ولا تُحل، ويُحافظ على “ستاتيكو تفاوضي” يمنع الانفجار لكنه لا ينتج تسوية.
ثانيًا: مسار الاختراق الجزئي وفيه يتم التوصل إلى تفاهم محدود أو إطار عام لخفض التوتر، مثل تجميد بعض الإجراءات التصعيدية أو الاتفاق على جولة تقنية جديدة. لكنه سيكون اتفاقًا وظيفيًا أكثر منه سياسيًا، يهدف لشراء الوقت لا لصناعة حل دائم.
ثالثًا: مسار التصعيد الدبلوماسي وهو الأقل احتمالًا لكنه قائم، ويتمثل في انهيار الجولة الحالية، وعودة الخطاب المتبادل إلى مستوى أعلى من الاتهام، مع احتمالات انعكاس ذلك على ملفات إقليمية أخرى، خصوصًا الملاحة والعقوبات والتحركات بالوكالة.
خاتمة: تفاوض على حافة الوقت لا على حافة الحل
ما تكشفه هذه المرحلة أن المفاوضات الأمريكية–الإيرانية لم تعد تدور حول “الوصول إلى اتفاق”، بل حول “منع الانهيار الكامل للواقع القائم”. إنها مفاوضات تُدار تحت ضغط الوقت أكثر مما تُدار تحت ضغط الإرادة السياسية، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه في أزمة طويلة، لا إنهاءها.
وفي قلب هذا المشهد، تقف باكستان كوسيط يحاول إبقاء الباب مواربًا في غرفة لا أحد يملك مفتاحها بالكامل. وبين الاتهامات المتبادلة، والضغوط المتصاعدة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام طريق تفاوضي نحو تسوية، أم أمام إدارة منظمة لأزمة مرشحة لأن تعود إلى الانفجار في أي لحظة حين ينفد صبر الوقت؟