
المغيبون والخطران الداهمان:
الإسلاميون الراديكاليون أم الصهاينة؟
في سورية، كما في أي مجتمع متنوع، يعتقد كثيرون أن الخطر الأكبر على الدولة والشعب يأتي من الخارج: إسرائيل، اليهود الصهاينة، القوى الإقليمية، أو حتى الضغوط الدولية. وهذه المخاطر بالطبع حقيقية، ولا يمكن تجاهلها. لكن الواقع السوري الحديث يظهر بوضوح أن هناك خطرًا داخليًا أكثر داهمية، وأكثر قدرة على التفكيك، وأكثر تهديدًا لكل السوريين، بلا استثناء. هذا الخطر لا يأتي من الحدود، ولا من جيوش عسكرية، بل من بين أبناء الوطن أنفسهم: من المغيبين، وخصوصًا الإسلاميين الراديكاليين، الذين يعيشون في عزلة فكرية، ويكرهون الآخر ويحتقرونه، ويضعون أنفسهم فوق القانون والمجتمع.
المغيبون من السوريين، بما هم عليه من انغلاق على الذات وعنصرية وكراهية للآخر، يشكلون تهديدًا مباشرًا لكل سورية، ولجميع السوريين من أي مكوناتهم أو شرائحهم. خطرهم ليس مجازيًا أو مؤقتًا، بل واقعي، داهم، ومستمر. في المقابل، هناك خطر خارجي حقيقي، يمثله اليهود الصهاينة وإسرائيل، لكنه يظل محدودًا بالحدود العسكرية والسياسية، ويمكن مواجهته بالتخطيط الاستراتيجي والدبلوماسي. بالمقارنة، الخطر الداخلي مباشر، أعمق أثرًا، وأكثر قدرة على تفكيك المجتمع من الداخل، قبل أن يصل أي تهديد خارجي.
جذور الخطر الداخلي
التاريخ السوري الحديث مليء بالأمثلة على ما يمكن أن يحدث عندما يسيطر الانغلاق الفكري والكراهية على فئة من الناس. في السبعينات والثمانينات، حاولت جماعة الإخوان المسلمين فرض مشروعها بالقوة على الدولة والمجتمع، وارتكبت عمليات اغتيال وتفجيرات وإرهابًا دمويًا استهدف المدنيين قبل أي جهة أخرى. حصار حماة عام 1982 كان نموذجًا صارخًا لهذا الواقع: آلاف المدنيين الأبرياء سقطوا، وتم تدمير المدينة، ليس بسبب إسرائيل أو أي عدو خارجي، بل بسبب فئة مغلقة فرضت مشروعها بالقوة، ورفضت كل من لا يشاركها الفكر أو الانتماء.
هذا الخطر لا يقتصر على الماضي. بعد 2011، سيطرت الفصائل المتطرفة على مناطق واسعة، مفروضة رؤيتها بالقوة، مستهدفة المدنيين الذين لا يوافقونها، بما في ذلك النساء والأطفال. هذه السيطرة الداخلية كانت أكثر تأثيرًا على المجتمع من أي تهديد خارجي، لأنها أخرت بناء الدولة، وأضعفت النسيج الاجتماعي، وخلقت فراغًا يمكن أن يستغله أي طرف خارجي لاحقًا.
مقارنة الخطر الداخلي بالخطر الخارجي
الخطر الخارجي، أي اليهود الصهاينة وإسرائيل، معروف وواضح الحدود، ويمكن قياس قدراته العسكرية، والتخطيط لمواجهته. أما الراديكالي الداخلي، فهو خفي، متغلغل، يعيش بين الناس، يزرع الكراهية والانقسام تدريجيًا، ويستغل كل ضعف اجتماعي، اقتصادي، أو مؤسسي. تأثيره يمتد إلى التعليم، الثقافة، والقيم الاجتماعية، ويؤدي إلى تفكيك المجتمع من الداخل، بينما لا يملك أي عدو خارجي القدرة على اختراق النسيج الداخلي بهذا العمق.
الدرس الاستراتيجي واضح: مواجهة خطر خارجي كإسرائيل تتطلب أسلحة وتخطيطًا ومفاوضات، أما مواجهة الخطر الداخلي فتتطلب وعياً مجتمعياً، مؤسسات قوية، تعليمًا معتدلاً، وفرض القانون بصرامة. إذا لم يُواجه هذا الخطر الداخلي، فإن أي مواجهة خارجية تصبح أصعب وأكثر خطورة، لأن المجتمع نفسه أصبح هشًا، مفككًا، ومنقسماً.
الانغلاق الفكري والكراهية كأدوات للتفكيك
الخطورة الحقيقية للإسلاميين الراديكاليين تكمن في إعادة تشكيل وعي المجتمع، بحيث يصبح رفض الآخر منهج حياة. الانغلاق الفكري يجعل المختلف عدوا، والعنصرية الدينية أداة للسيطرة. التعليم والتحريض يستخدمان لبناء جيل مستقبلي يحمل الكراهية داخله، وهو ما يهدد الدولة والمجتمع في الوقت نفسه. بينما اليهود الصهاينة، رغم وجودهم كتهديد خارجي، لا يستطيعون فرض هذا الانقسام الفكري من الداخل، ولا يمكنهم زراعة الكراهية بشكل منهجي بين السوريين.
التداعيات طويلة المدى
المغيبون من السوريين، وخصوصًا الإسلاميون الراديكاليون، يمثلون تهديدًا طويل المدى على الهوية الوطنية والنسيج الاجتماعي. الانقسام الفكري والديني يضعف مؤسسات الدولة، ويخلق بيئة خصبة للصراعات المستقبلية. بالمقارنة، خطر اليهود الصهاينة يمكن مواجهته عبر التخطيط العسكري والسياسي، أما الخطر الداخلي فهو مستمر، متجدد، ومباشر، ويستهدف كل شرائح المجتمع.
استراتيجية المواجهة
لمواجهة هذا الخطر الداخلي، لا يكفي حماية الحدود أو التصدي للعدو الخارجي، بل يجب حماية المجتمع نفسه:
- تعليم معتدل وواعٍ: لتنشئة جيل متسامح، قادر على تقبل الآخر وفاهم لتاريخ وطنه.
- مؤسسات قوية وعادلة: تفرض القانون وتحمي المواطنين من أي استغلال داخلي أو فكر متطرف.
- وعي جماعي ومسؤولية فردية: كل مواطن مسؤول عن حماية الآخر من الانغلاق الفكري والكراهية، لضمان مجتمع موحد ومستقر.
الخلاصة
المغيبون من السوريين، وخصوصًا الإسلاميون الراديكاليون، يمثلون تهديدًا داخليًا داهمًا، مباشرًا، وأكثر قدرة على تفكيك المجتمع من الداخل، أكثر من أي تهديد خارجي، بما في ذلك اليهود الصهاينة. الانغلاق على الذات، وكراهية الآخر، والعنصرية الدينية، هي عوامل تفكك المجتمع، تضعف الدولة، وتخلق بيئة خصبة للصراعات المستقبلية. حماية سورية تبدأ بحماية مجتمعها من الانحراف الداخلي قبل مواجهة أي خطر خارجي. إذا أرادت سورية أن تبقى موحدة وقوية، يجب أن يكون التصدي للمغيبين داخل المجتمع بنفس جدية، إن لم يكن أكثر، من مواجهة أي قوة خارجية.