
لم يكن رفعت الأسد يحتاج إلى تعريف، فاسمه كان يصل قبل موكبه، وصمته كان أبلغ من أوامره، وحضوره كان يعني أن شيئاً ما سيُمحى، حيّ، سجن، ذاكرة، أو بشر...
- لم يولد جزاراً، لكن العائلة كانت مدرسة كافية :
فحين أُخرج من الأمن العام وأُدخل إلى الجيش، لم يكن ذلك ترقية، بل كان تجهيز لمهمة، فحافظ الأسد لم يكن بحاجة إلى أخٍ يحبه، بل إلى أخٍ يفعل ما لا يريد أن يُرى وهو يُفعل...
- سرايا الدفاع لم تكن وحدة عسكرية، كانت لغة، لغة تقول للبلد :
( هذا هو السقف، ومن يرفعه يُكسر ) ...
رفعت فهم اللغة بسرعة، وأحبّها...
- حماة :
المدينة التي استُخدمت، ففي شباط ١٩٨٢ لم تُقصف حماة لأنها تمرّدت، بل لأنها صَلُحت لتكون مثالاً، المدينة لم تكن هدفاً، كانت رسالة، فالبيوت التي سُوِّيت بالأرض لم تكن خطأً عسكرياً،
كانت تدريباً عملياً على معنى الدولة حين تغضب...
لم يكن هناك عدٌّ للضحايا، لأن العدّ يفترض الاعتراف، والاعتراف لم يكن وارداً.
- تدمر :
حين يصبح القتل إجراءً بعد محاولة اغتيال حافظ، لم يُفتح تحقيق، بل فُتح السجن، فالسجناء الذين أُخرجوا إلى الصحراء لم يُعدموا لأنهم مذنبون، بل لأنهم متاحون، الطائرات التي لاحقتهم
لم تطارد أشخاصاً، طاردت الفكرة التي تقول بـ :
( أن الجسد بلا قيمة إذا كان خارج النظام )...
- الانقلاب المؤجَّل :
عام ١٩٨٣، حين مرض حافظ، تصرف رفعت كما يتصرف موظف يظن أن المدير لن يعود، فقد انتشرت صوره في دمشق،
لا لأنه محبوب، بل لأن القوة تحب أن تُرى، لكن النظام لا يحب المنافسة، وحين عاد حافظ، أُغلق الملف، ودُفِع الثمن، ورُحِّل الجزار لا لأنه مجرم، بل لأنه أخطأ في التوقيت...
- المنفى المريح :
أوروبا لم تكن منفاه،كانت استراحة،
محاكم، مذكرات، ملفات، كلها كانت موجودة، لكن بلا أسنان، كان مطلوباً، لكن ليس إلى درجة الإحضار، متهماً، لكن ليس إلى درجة الإدانة، والأموال كانت دائماً ( هدايا )...
- الجسد كامتداد للسلطة :
لم يكن زير نساء بالمعنى الأخلاقي فقط،بل بالمعنى السلطوي، النساء لم يكنّ رغبة، كنّ برهان نفوذ، كما الجنود،
كما السجون، كما الخوف...
- الوريث الرديء :
ماهر لم يرث الاسم، بل ورث الأسوأ، الفرقة الرابعة كانت نسخة مُحدَّثة، أكثر انتشاراً، أقل خجلاً، البلد تعلّم الدرس :
الجريمة حين تنجح، تُستنسخ...
ختاما :
لم يُسحب رفعت الأسد إلى محكمة، لم يُستدعَ، لم يُسأل، لم يقف يوماً أمام قاضٍ، أو لجنة، أو حتى صحافي يجرؤ على السؤال الكامل...
مات كما يموت الناس العاديون، على سرير، بلا قيود، بلا صراخ ضحايا، بلا صور جماعية، بلا أرقام، بلا أسماء...
مات ميتة نظيفة، هادئة، كأن كل ما فعله كان سوء تفاهم تاريخي، وهنا، بالضبط هنا، تكمن الفضيحة الأكبر، ليس في أنه قتل، ولا في أنه اغتصب ونهب وأذلّ وأمر وداس، بل في أن العالم بأكمله وافق :
وافق بالصمت، وافق بالتأجيل، وافق بالملفات المؤجلة، وبالقضاء البطيء، وبالذاكرة الانتقائية، وبالأخلاق الموسمية...
وافق بأن يعيش هذا الرجل أكثر من نصف قرن بعد مجازره، متنقلاً بين العواصم، محمياً، مُكرَّماً أحياناً، ومطلوباً شكلياً فقط...
وإذا كان هناك من سماء تُستَحضَر هنا، فليست سماء عدالة ولا ميزان
بل سماء غطاء، غطاء فاقع، مكشوف، غير خجول، سمح له أن يشيخ، وأن يضحك، وأن يستثمر، وأن يراكم المليارات، وأن يُهرَّب من محكمة إلى أخرى، ومن ملف إلى آخر، حتى تَعب الزمن نفسه منه...
نعم :
لم يُعاقَب لأنه لم يكن استثناءً،
بل لأنه كان وظيفة، أداة مكتملة في نظام يعرف تماماً ما يفعل، ويكافئ من يُتقنه...
رفعت الأسد لم يُفلت من الحساب صدفة، أُعفيَ عمداً، وكما عاش محمياً، مات محمياً، ليقول موته، بلا خطب ولا بيانات :
إن العدالة في هذا العالم ليست عمياء، بل تُغمض عينيها حين يُطلب منها ذلك، وهكذا، انتهت حياة رجل أولغ في دماء مئات الآلاف، كما تنتهي حياة أي إنسان " محترم "..
بينما بقيت المقابر الجماعية بلا أسماء، والضحايا بلا قبور، والسؤال معلقاً، لا في السماء ولا في الأرض :
( إذا كان هذا لا يُحاسَب، فمن يُحاسَب )؟..
اقول كل ماقلته اعلاه متسائلا معترضا دون أن استغفر الله عن كل اتهام وجهته للسماء .