
الملكية في سورية بين عبث التأويل التاريخي وحدود الدولة: حين يتحول القانون إلى اختبار مصيري للاستقرار الاجتماعي؟!.
في ظل واقع سوري شديد التعقيد، تتصاعد في الفضاء العام روايات ومخاوف متداولة حول نوايا أو توجهات لإعادة توصيف بعض الأملاك الخاصة في دمشق وحلب وغيرها، تحت ذرائع مرتبطة بما يسمى “الأوقاف الدينية العثمانية” أو “الوقف التركي العثماني”.
ورغم أن كثيراً من هذه الطروحات ما يزال في إطار التداول الإعلامي أو السياسي غير المؤكد، إلا أن خطورة الموضوع لا تكمن فقط في صحته من عدمها، بل في مجرد إمكانية طرحه بهذه الصيغة، وما يفتحه من أبواب قانونية واجتماعية وسياسية شديدة الحساسية.
فالمسألة هنا لا تتعلق بنزاع عقاري محدود، ولا بإجراء إداري يمكن احتواؤه، بل بملف يمس جوهر فكرة الملكية الخاصة، وحدود سلطة الدولة، ومعنى الاستقرار القانوني في مجتمع أنهكته الحرب والتحولات العنيفة خلال سنوات طويلة.
الملكية الخاصة: من حق فردي إلى ركيزة استقرار الدولة
في كل النظم القانونية الحديثة، تُعد الملكية الخاصة أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فهي ليست امتيازاً تمنحه السلطة ثم تسحبه متى شاءت، بل حق أصيل محمي بموجب الدساتير الوطنية، ومكرس أيضاً في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص بوضوح على أن لكل فرد حق التملك، وأنه لا يجوز حرمان أحد من ملكه تعسفاً. كما تؤكد العهود الدولية ذات الصلة أن أي مساس بالملكية لا يكون إلا وفق قانون واضح، وبهدف مصلحة عامة حقيقية، وضمن إجراءات قضائية عادلة، مع تعويض منصف وكامل.
وبناءً على ذلك، فإن أي طرح يعيد فتح الملكيات المستقرة منذ عقود، أو يضعها في دائرة التشكيك التاريخي أو التأويل الإداري، يهدد مبدأ “الأمن القانوني” الذي لا تقوم دولة حديثة بدونه.
الوقف التاريخي وحدود استدعاء الماضي
نظام الوقف في الحقبة العثمانية كان مؤسسة دينية واجتماعية واسعة الانتشار، لعبت أدواراً تعليمية وخيرية وخدمية، لكنه كان جزءاً من بنية قانونية تاريخية تغيرت جذرياً مع تشكل الدول الوطنية الحديثة في المنطقة.
ومع قيام الأنظمة القانونية الحديثة، جرى في أغلب الدول:
- تنظيم الأوقاف ضمن أطر قانونية معاصرة تشرف عليها الدولة.
- أو إدماجها ضمن نظم مدنية حديثة للملكية والتسجيل العقاري.
- أو تثبيت أوضاع الملكيات وفق سجلات عقارية حديثة أصبحت المرجع الأساسي الوحيد.
ومن هنا، فإن إعادة فتح ملفات “وقفية تاريخية” على نحو يمس أملاكاً مستقرة ومتنازع عليها اجتماعياً منذ عقود طويلة، دون أحكام قضائية فردية دقيقة ونهائية، يعني عملياً فتح باب واسع لزعزعة مبدأ الاستقرار العقاري، وإدخال المجتمع في دوامة لا تنتهي من الشكوك والنزاعات.
خطورة تحويل التاريخ إلى أداة قانونية
أخطر ما في هذا النوع من الطروحات ليس بعدها الإداري فقط، بل تحويل التاريخ إلى أداة لإعادة تعريف الحاضر.
فحين يصبح الماضي العثماني أو غيره مرجعية انتقائية لإعادة توصيف الملكيات الحالية، فإننا نكون أمام ثلاثة مخاطر مركزية:
أولاً: تقويض حجية السجلات العقارية الحديثة، التي تمثل العمود الفقري لأي نظام قانوني منظم.
ثانياً: فتح الباب أمام نزاعات لا تنتهي، لأن أي جهة لاحقة يمكنها العودة إلى طبقات أقدم من التاريخ لإعادة المطالبة بالملكيات ذاتها.
ثالثاً: تحويل الملكية من حق مستقر إلى أداة قابلة للتأويل السياسي أو الإداري، وهو ما يضرب الثقة بين المواطن والدولة في الصميم.
إن الدولة التي لا تحسم مرجعيتها القانونية في الحاضر، وتعود باستمرار إلى إعادة فتح ملفات الماضي، تفقد تدريجياً قدرتها على تثبيت أي استقرار.
من النزاع القانوني إلى التفكك الاجتماعي
الملكية ليست مجرد وثيقة، بل هي استقرار أسري، وذاكرة ممتدة، وأمان وجودي مرتبط بمكان السكن والعمل والحياة اليومية.
لذلك فإن أي مساس بها، أو حتى التلويح بإمكانية إعادة تعريفها خارج إطار قضائي صارم وشفاف، ينعكس مباشرة على المجتمع في شكل توتر وقلق وانعدام ثقة.
تخيل فقط أن يُقال لعائلات استقرت منذ عقود طويلة في أحياء دمشق أو حلب أو غيرها، إن أملاكها لم تعد ثابتة، وإنها قد تُصنف كـ“وقف تاريخي”، وبالتالي يمكن إعادة تأجيرها أو سحبها أو تغيير وضعها القانوني.
أي منطق قانوني يمكن أن يستقيم مع تحويل الناس من ملاك إلى مستأجرين في بيوتهم، أو مع جعل الاستقرار السكني رهينة تأويل تاريخي متغير؟
إن مثل هذا المسار لا يخلق نزاعاً عقارياً فقط، بل يفتح الباب أمام اهتزاز اجتماعي واسع، لأن الناس حين تفقد يقينها ببيوتها، تفقد جزءاً أساسياً من إحساسها بالأمان داخل الدولة.
الإطار الدولي: ليست قضية داخلية مغلقة
القانون الدولي لحقوق الإنسان لا يتعامل مع الملكية بوصفها شأناً إدارياً داخلياً صرفاً عندما تمس بشكل تعسفي، بل يعتبرها جزءاً من منظومة الحماية الأساسية للإنسان.
فأي إجراء يؤدي إلى نزع الملكية دون حكم قضائي فردي، أو دون تعويض عادل، أو عبر قرارات عامة فضفاضة، يدخل في نطاق الممارسات التي تُصنف قانونياً كمساس غير مشروع بالحقوق الأساسية، ويعرض الدولة أو السلطة القائمة لنزاعات طويلة الأمد تتجاوز الداخل إلى الخارج.
نصيحة سياسية وقانونية لسلطات الأمر الواقع
في السياق السوري المعقد، حيث تتداخل سلطات متعددة ومراكز قرار غير مستقرة، يصبح التعامل مع ملف الملكية اختباراً حقيقياً لأي جهة تدير الأرض والناس.
النصيحة هنا ليست سياسية فحسب، بل قانونية واستراتيجية في آن واحد:
عدم التورط في المساس بالحقوق المكتسبة للناس، أو فتح ملفات الملكية المستقرة، أو إعادة تعريفها تحت أي عنوان تاريخي أو إداري.
لأن هذا النوع من السياسات لا يؤدي إلى تعزيز السلطة، بل إلى إضعافها. ولا يرسخ السيطرة، بل يوسع فجوة الرفض الشعبي والاحتقان الاجتماعي.
ومع الوقت، يتحول إلى عامل تفجير داخلي يضيف إلى الأزمات القائمة أزمات أعمق وأخطر.
إن الأرض في سورية ليست مساحة محايدة يمكن إعادة توزيعها بلا تكلفة، بل هي نسيج اجتماعي شديد الحساسية، وأي عبث به دون إطار قانوني صارم ومستقر، يعني إدخال المجتمع في حالة عدم يقين شاملة.
والتجربة التاريخية في كل الدول التي مرت بظروف مشابهة تؤكد حقيقة واحدة:
حين تُمس الملكية الخاصة خارج القانون، لا تتفكك الملكيات وحدها، بل تتفكك الثقة بالدولة نفسها.
خاتمة
في النهاية، تبقى القضية أعمق من نزاع على أملاك أو تأويل تاريخي. إنها مسألة تتعلق بطبيعة الدولة التي يُراد بناؤها أو إعادة تشكيلها: هل هي دولة قانون تحمي الحقوق المكتسبة، أم سلطة مؤقتة تعيد تعريف كل شيء وفق ظروف اللحظة؟
فالدول لا تُقاس بقدرتها على فتح ملفات الماضي، بل بقدرتها على تثبيت حقوق الحاضر.
وأي مسار يخل بهذا التوازن الدقيق، لا يهدد الناس في بيوتهم فقط، بل يهدد فكرة الاستقرار نفسها، ويضع المجتمع بأكمله أمام مستقبل مفتوح على احتمالات أكثر قسوة مما يحتمله الواقع السوري اليوم.