
المنصب للأجدر… لا للأقرب
في مشهد بسيط لكنه عميق الدلالة، ترفع أم سورية لافتة في الشارع تختصر ما تعجز عنه خطابات طويلة ومؤتمرات كثيرة: “المنصب للأجدر، وليس للأقرب.”
جملة قصيرة، لكنها تبدو كأنها كُتبت بعد سنوات من التجربة، لا بعد لحظة غضب عابرة.
ليست هذه العبارة مجرد شعار احتجاجي، بل خلاصة شعور عام يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس. شعور بأن معيار الاختيار في مواقع المسؤولية لا يُبنى دائماً على الكفاءة والخبرة، بل كثيراً ما يتأثر بدوائر القرب والولاء والعلاقات. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الخلل الصغير في الظاهر إلى عبء كبير في الواقع: مؤسسات تتباطأ، فرص تُهدر، وثقة تتآكل بين المواطن والدولة.
حين تتحدث امرأة من قلب الشارع بهذه البساطة، فهي لا تصوغ نظرية سياسية، بل تعبّر عن إدراك جمعي تشكّل عبر سنوات من الملاحظة والتجربة. إدراك يقول إن العدالة لا تُقاس بالشعارات، بل بآلية الوصول إلى المنصب، وبمن يُمنح الفرصة ليقرر، ومن يُقصى رغم كفاءته.
الدولة، في جوهرها، ليست شبكة علاقات، بل منظومة معايير. وحين تُختزل المعايير في القرب، تفقد الدولة جزءاً من معناها الأخلاقي قبل الإداري. لأن المنصب حين يُمنح لغير الأجدر، لا يُظلم شخص واحد فقط، بل تُظلم فكرة الاستحقاق نفسها، ويُفتح الباب تدريجياً أمام تراجع الأداء وتآكل الثقة.
في المقابل، لا تحتاج الدولة إلى شعارات معقدة كي تستقيم. المبدأ بسيط وواضح: وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. لكنه في التطبيق هو أصعب الامتحانات، لأنه يتطلب شجاعة في مواجهة العادات الاجتماعية، والضغوط غير المعلنة، وشبكات المصالح التي تتشكل حول القرار العام.
ولذلك، تصبح مثل هذه اللافتة أكثر من مجرد موقف عابر في الشارع. إنها تذكير بأن الناس تراقب، تفهم، وتقارن بين ما يُقال وما يُمارس. وأن فكرة “الاستحقاق” ليست مطلب نخبة، بل حاجة يومية تمس حياة الجميع، من أبسط وظيفة إلى أعلى منصب.
إن الدولة التي نريدها ليست تلك التي تُدار بالأسماء، بل تلك التي تُدار بالمعايير. دولة تُعيد الاعتبار للكفاءة باعتبارها أساس العدالة، لا ترفاً إدارياً. لأن العدالة لا تبدأ من القضاء وحده، بل من أول قرار تعيين، ومن أول سؤال يُطرح: هل هذا الشخص هو الأجدر فعلاً؟
ربما تختصر تلك اللافتة كل هذا الجدل في جملة واحدة. لكنها في الحقيقة تفتح باباً واسعاً لسؤال أكبر: كيف نبني دولة لا يُشعر فيها المواطن أن الطريق إلى المنصب يمر عبر القرب، بل عبر الاستحقاق وحده؟
ذلك هو الفرق بين إدارة تُنتج رضى مؤقتاً، ودولة تُنتج ثقة دائمة.