
الميغ 29 إلى دمشق...
حين تُسلِّم موسكو طائرة… لكنها في الحقيقة تُسلِّم رسالة:
في العلاقات الدولية لا توجد هدايا بريئة، وفي الاستراتيجيا العسكرية لا تتحرك الطائرات منفصلة عن السياسة، وحين تُسلِّم دولة بحجم روسيا الاتحادية الحكومة الانتقالية في سورية طائرة ميغ 29، فإن السؤال لا يكون عن عدد المحركات ولا عن مدى التقانات في مثل هذه الطائرات بل عن معنى الحدث نفسه...
كون الطائرات المقاتلة لا تهبط على المدارج فقط، بل تهبط معها رسائل، وتصورات، وتفاهمات، وأحيانًا خرائط مستقبل...
ولو نظرنا إلى الحدث بعين عسكرية بحتة، فقد يبدو محدود الأثر، فالميغ 29 ليست طائرة تغيّر ميزان القوى في الشرق الأوسط، وليست منصة تمنح تفوقًا جويًا أمام القوى الجوية الإقليمية الكبرى، لكنها أيضًا ليست مجرد قطعة متحف من زمن الحرب الباردة كما يحب البعض تصويرها...
الميغ 29 تنتمي إلى مدرسة مختلفة في التفكير العسكري؛ مدرسة تعتبر أن بقاء الدولة يبدأ من قدرتها على حماية سمائها، ولهذا فإن أول ما تعنيه هذه الخطوة " إن كانت بداية مسار وليس حدثًا منفردًا " هو محاولة إعادة بناء مفهوم الدولة من زاوية القوى الجوية السورية، لأن الدول الخارجة من الحروب الطويلة لا تعود عبر الخطابات، بل عبر المؤسسات التي تستعيد قدرتها على العمل: مطارات عسكرية، أسراب، غرف عمليات، تدريب، صيانة، انضباط، وسلاسل قرار...
وفي الحقيقة، قد لا تكون الطائرة نفسها هي الأهم، بل إن ما يهم هو ما يأتي معها هو:
- من سيُدرّب؟..
- من سيصون؟..
- من سيؤمّن قطع الغيار؟..
- من سيعيد بناء العقيدة الجوية؟..
من هنا يبدأ المعنى الحقيقي اقصد أن
الطائرة ليست جسمًا معدنيًا، بل هي بمثابة إعلان أن هناك من يعتقد أن هذه المؤسسة تستحق أن تُعاد إليها الحياة...
لكن القراءة العسكرية وحدها تبقى ناقصة، لأن السياسة هنا أكثر إثارة من السلاح، فروسيا اليوم ليست في وضع يسمح لها بتوزيع النفوذ مجانًا، فمنذ سنوات وهي تخوض استنزافًا استراتيجيًا واسعًا، وتعيد ترتيب أولوياتها بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، لذلك فإن أي قرار بإرسال منصة عسكرية إلى سورية لا يُقرأ بوصفه دعمًا تقنيًا فقط، بل بوصفه قرارًا سياسيًا محسوبًا...
ومعناه الأول أن موسكو تريد القول:
- لم نغادر سورية، لا سيما أن كثيرون قرؤوا السنوات الأخيرة باعتبارها بداية تراجع روسي في المنطقة، لكن النفوذ لا يُقاس بعدد البيانات السياسية؛ بل بقدرة الدولة على أن تبقى داخل المؤسسات العسكرية للدول الأخرى، وحين تبقى روسيا داخل الجيش، فإنها تبقى داخل الدولة...
لكن الرسالة الثانية أكثر عمقًا وايضا اقصد:
إذا كان التسليم يتم لحكومة انتقالية، فالمعنى المحتمل هنا أن روسيا تحاول تثبيت علاقتها مع الدولة السورية بصرف النظر عن شكل السلطة.
وهذا تطور مهم، لأن القوى الكبرى عندما تنتقل من دعم الأشخاص إلى دعم المؤسسات، فهي تكون قد بدأت الاستثمار في المستقبل لا في اللحظة...
هناك أيضًا بعد ثالث أقل ظهورًا وأكثر أهمية هو:
إدارة الفراغ، بمعنى أن القوى الكبرى لا تخاف دائمًا من الخصوم بقدر ما تخاف من الفراغات، فالفراغ العسكري في سورية يعني دخول لاعبين آخرين، وكذا فإن الفراغ التقني يعني وجود موردين آخرين...
كما أن الفراغ السياسي يعني ترتيبات لا تشارك موسكو في صياغتها، ومن هنا تصبح طائرة واحدة أحيانًا أداة إعلان وجود أكثر من كونها أداة قتال...
لكن ماذا عن السوريين؟:
هنا يجب مقاومة الإغراء الرمزي، لأن المواطن السوري لا يقيس الدول بعدد الطائرات في السماء، بل يقيسها بعدد ساعات الكهرباء، واستقرار العملة، وعودة الاقتصاد، وفرص العمل، وإحساسه أن الدولة تعود إلى الحياة...
وطائرة ميغ 29 وحدها لن تحقق شيئًا من ذلك...
لكن إذا كانت جزءًا من مشروع أكبر لإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الاستقرار، وفتح مسارات تعاون أوسع، فقد تكون إحدى الإشارات المبكرة على أن سوريا تتحرك من مرحلة البقاء إلى مرحلة إعادة التشكّل...
وفي النهاية:
- ليست المسألة أن روسيا سلّمت دمشق مقاتلة...
بل:
- المسألة أن الدول الكبرى لا ترسل المقاتلات إلى أماكن لا تعتقد أن لها مستقبلًا فيها...
- ولهذا، قد لا يكون أهم ما في الميغ 29 أنها تستطيع الطيران…
بل:
- أنها قد تكون رسالة تقول إن أحد اللاعبين الكبار قرر أن يبقى حاضرًا في السماء السورية، لأن ما سيُبنى على الأرض لم يُحسم بعد.