
النبيل الوحيد
في قلب العاصمة دمشق، في مدينة المعارض القديمة، كان يقف قصر النبلاء شامخًا، محاطًا بالطرق الواسعة والزحمة المعتادة للسيارات الحديثة. القصر، بواجهته العالية وجدرانه المزخرفة، كان اليوم مسرحًا لحفل ضخم، حيث غصّت المداخل بسيارات الشبح الحديثة، يقودها سائقوها وحراسها الذين يشكلون جيشًا صغيرًا عند كل بوابة. الدعوة كانت موجهة لكل حديثي النعمة، أولئك الذين جاءوا إلى العالم محمّلين بالمال والسلطة والجاه، متباهين بكل ما لديهم من زينة وبهرجة.
وسط هذا الصخب، وصل صادق جلال العظم بسيارته الصغيرة. لم يكن حجمها ولا شكلها يضاهيان السيارات الفاخرة حوله، لكنها كانت تحمل رجلاً له وزنه الخاص. أوقفها أمام البوابة ونزل بخطوات ثابتة، بوجه هادئ وبابتسامة خفيفة، يليق بالرجل الذي يعرف قدره، أكثر من أي بدلة فاخرة أو سيارة فارهة.
عند الباب، وقف أحد الموظفين الجدد، وهو شاب متحمّس لم يُدرِك بعد قيمة الحضور. نظر إلى صادق بنظرة ازدراء وقال:
— هذا الحفل للنبلاء، يا أخ.
توقف صادق للحظة، ونظر إليه بعينين صافيتين، تملؤهما ثقة لا تهتز، وقال بهدوء يملأ المكان:
— أعتقد بأني النبيل الوحيد بينهم.
ارتعش الموظف قليلاً، وكأن الكلمات قد أصابت قلبه. صمت القاعة كان ثقيلًا، حتى أذابت ضحكات الحاضرين العاجلة بعضًا من التوتر، لكن العبارة كانت قد زرعت حقائق لا يمكن نسيانها: النبالة ليست بالمال أو بالزينة، بل بالقيم، وبالكرامة، وبالوعي الأخلاقي الذي يرفع الإنسان فوق صخب الدنيا وزيفها.
تقدم صادق في القاعة، متفاديًا كل النظرات الفضولية، دون أن يسعى لإعجاب أحد، وبين ضحكات بعض الحاضرين وانبهار البعض الآخر، بدا وكأن الزمن نفسه توقف قليلًا ليقرّ بأن النبل الحقيقي ليس بالاسم، بل بالفكر والشخصية.
إحدى السيدات المبالغ في زينتها اقتربت منه محاولة استمالة الحديث، قائلة ببرود:
— أنت هنا لوحدك، أليس كذلك؟ هل من المناسب أن تأتي بسيارة صغيرة؟
ابتسم صادق بابتسامة خفيفة، ثم قال:
— أرى أنني الوحيد الذي لم يأتِ لأعرض شيئًا، سوى نفسه.
تجمّد صمت آخر، والابتسامة على وجهه كانت أثقل من كل المجوهرات والأزياء الفاخرة. كان هذا التوازن بين الصمت والكلمة، بين الرزانة والكرامة، ما جعل الجميع يدرك، ولو للحظة، الفرق بين النبلاء الحقيقيين والزائفين.
تلك كانت لحظة تتكرر في التاريخ: غالبًا ما تنهض الحثالات في الحقب السافلة، تغتني من مصائب الناس والبلد، تتصدر واجهات الحياة، وتأخذ أضعاف أحجامها، تتباهى بكل ما تملك، ثم يقطع الزمن الحبل فجأة، فتسقط سقوطًا حرًا، عارية أمام الحقيقة، وتعود إلى حجمها الحقيقي، وقد تختفي تمامًا.
أما النبالة، فهي ملك لمن يستحقها: أصحاب القيم والفكر، أولئك الذين يبقون طويلًا بعد رحيلهم، يترك حضورهم أثرًا يتردد صداه في النفوس. صادق جلال العظم كان مثالًا حيًا لذلك؛ ليس ابن العظم فحسب، بل مفكر سوري وعربي كبير، يضيء الطريق لكل السوريين الشرفاء.
خرج صادق من القاعة في نهاية الحفل بهدوء، متجاوزًا ضجيج السيارات الفاخرة وصخب الزهو الزائف، تاركًا وراءه أثرًا خالداً من النبل الحقيقي، كزهرة برية تتفتح في صمت، لتذكّر الجميع بأن الشرف لا يُشترى ولا يُباع، وأن القيم وحدها هي التي تصنع الخلود.
وفي تلك اللحظة، بدا وكأن القصر كله، بواجهاته اللامعة وسياراته المتعددة، قد أقرّ بأن العظمة الحقيقية لا تُقاس بالمال، ولا بالجاه، بل بالإنسان الذي يقف بثبات في مواجهة الزيف، ويترك أثره للأجيال القادمة.