
القادسية التي لم تنتهِ… حين تبقى الهزيمة حيّة في الوعي الإيراني
تمرّ في التاريخ معارك كثيرة، بعضها يغيّر خرائط الدول، وبعضها يغيّر خرائط الوعي. وهناك معارك تنتهي في الميدان لكنها تظل حيّة في الذاكرة قرونًا طويلة، كأن الزمن لم يمضِ عليها. من هذا النوع معركة القادسية؛ فبالنسبة للعرب كانت لحظة صعود تاريخي، أما بالنسبة للفرس فقد تحولت إلى رمز لانكسار حضاري عميق ترك أثره في الوعي الإيراني حتى يومنا هذا.
فالهزيمة العسكرية في حد ذاتها قد تُنسى مع مرور الأجيال، لكن الهزيمة حين ترتبط بسقوط منظومة حضارية كاملة تصبح شيئًا آخر. القادسية لم تكن مجرد معركة بين جيشين، بل كانت بداية أفول الإمبراطورية الساسانية التي حكمت فارس قرونًا طويلة. ولهذا السبب لم تتحول القادسية في الذاكرة الفارسية إلى صفحة من الماضي، بل إلى جرح تاريخي ظل كامناً في أعماق الوعي الجمعي.
ومع مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا، لم تختفِ آثار تلك الذاكرة تمامًا. ففي إيران الحديثة يمكن للمرء أن يلمس أحيانًا ظلال تلك القصة القديمة في بعض الخطابات الثقافية والسياسية. ليس بالضرورة بصورة مباشرة أو صريحة، بل في شكل حساسيات تاريخية ونظرات متحفظة تجاه العرب، وكأن الماضي ما زال يلقي بظلاله الثقيلة على الحاضر.
المفارقة أن هذا الشعور لا يظهر في طبقة اجتماعية واحدة فقط. ففي بعض الأوساط الثقافية يظهر في شكل استعلاء حضاري يستحضر أمجاد فارس القديمة مقابل صورة نمطية عن العرب. وفي بعض الأوساط الدينية يتخذ شكل عداء مذهبي يتجه نحو أهل السنة ورموزهم، حتى يبدو للوهلة الأولى أنه خلاف ديني بحت.
لكن التمعّن في هذه الظاهرة يكشف أحيانًا طبقة أعمق من مجرد الخلاف المذهبي. فكثير من هذا التوتر المذهبي يبدو وكأنه الوجه الآخر لمشاعر تاريخية أقدم تجاه العرب أنفسهم. فالمسألة ليست دائمًا خلافًا عقائديًا بقدر ما هي انعكاس لذاكرة تاريخية لم تُحسم نفسيًا بعد.
وهنا يتقاطع التاريخ مع الهوية. فالأمم التي تحمل في ذاكرتها هزائم كبرى غالبًا ما تعيد تفسير تلك الهزائم بطرق مختلفة: مرة عبر استدعاء التفوق الحضاري القديم، ومرة عبر بناء سرديات جديدة تعيد توزيع الأدوار في التاريخ. وفي أحيان أخرى تُنقل الخصومة من إطارها القومي القديم إلى إطار مذهبي أكثر تعقيدًا واستمرارية.
غير أن المشكلة في هذه الحالة ليست في استحضار القادسية بوصفها حدثًا تاريخيًا، فكل الشعوب تعود إلى تاريخها. المشكلة تبدأ عندما تتحول المعركة القديمة إلى مرجعية نفسية في النظر إلى الحاضر، وعندما تصبح العلاقة مع العرب محكومة بظل معركة وقعت قبل أربعة عشر قرنًا.
فالتاريخ حين يبقى جرحًا مفتوحًا لا يفسّر الحاضر بقدر ما يقيّده. والذاكرة حين تتحول إلى ضغينة كامنة تصبح مثل نار تحت الرماد؛ قد تبقى ساكنة طويلًا، لكنها تشتعل كلما وجدت فرصة أو ظرفًا سياسيًا يعيد إحياءها.
ولهذا فإن تجاوز الماضي لا يعني نسيانه، بل فهمه ووضعه في مكانه الطبيعي: صفحة في كتاب التاريخ لا حكمًا دائمًا على علاقة الشعوب ببعضها. فالعرب والفرس عاشوا قرونًا من التفاعل الحضاري والثقافي، وكان بينهم تبادل معرفي عميق أسهم في بناء حضارة واسعة امتدت من بغداد إلى أصفهان.
لكن بقاء القادسية حيّة في الوعي السياسي والثقافي لبعض الإيرانيين يكشف أن بعض معارك التاريخ لا تنتهي بسهولة. فهي قد تخمد في الكتب، لكنها تظل كامنة في النفوس، تنتظر اللحظة التي تعود فيها إلى السطح — لا بوصفها حدثًا من الماضي، بل بوصفها شعورًا لم يُحسم بعد.