
الصاع صاعين:
التحالف (الروسي - الصيني - الإيراني) وإمكانية إغراق أمريكا في إيران...
معلوم أن الحرب الروسية على أوكرانيا دخلت عامها الخامس، ومع كل يوم يمر، يظهر درس استراتيجي واضح وهو:
أنه لولا الدعم الأمريكي والأطلسي لكييف الذي لم يكن مجرد مساعدة تقنية أو مالية، بل كان العامل الحاسم الذي غاصت موسكو بدوره في مستنقع طويل ومكلف، انا كامل القناعة أن روسيا لم تكن تبحث عن حرب استنزاف مفتوحة، لكن التدخل الغربي المكثف حول النزاع إلى مواجهة مفتوحة استنزفت مواردها، وأجبرتها على التكيف تكتيكياً وعسكرياً بطريقة لم تحسبها أصلاً...
هذا الدرس البسيط يحمل تحذيراً استراتيجياً بمعنى:
أن أي دعم خارجي لطرف في مواجهة خصم قوي يمكن أن يحوّل النزاع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، ويجبر القوة المعنية على استنزاف مواردها دون تحقيق حسم سريع...
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن:
- هل يمكن أن يُعاد السيناريو نفسه، ولكن في الاتجاه المعاكس؟..
بمعنى:
- إذا قامت روسيا والصين بدعم إيران، هل يمكن أن تُغرق أمريكا في "وحل إيران"، على غرار ما حصل في أوكرانيا؟..
كون التحالف (الروسي - الصيني - الإيراني)، الذي تفرضه تلاقي مصالح في مواجهة خصم عنيد، وليس بالضرورة أن يكون الخلف رسمياً أو معلنا، أو مستمرا، بل خلفا ظرفيا ولغاية محددة، لكن بأفق استراتيجي فعّال، سيكون قادرا على تحويل أي مواجهة أمريكية مع إيران إلى حرب استنزاف طويلة ومعقدة، روسيا، بخبرتها العسكرية، تمتلك القدرة على تزويد إيران بأسلحة دقيقة، تدريب قواتها، وتقديم توجيه تكتيكي، يجعل أي عملية عسكرية أمريكية أكثر تكلفة وتعقيداً، والصين، من جانبها، تضيف بعداً تقنياً واستراتيجياً عبر تطوير نظم الدفاع والهجوم، وتأهيل القدرات العسكرية الإيرانية على الصمود أمام أي تدخل خارجي...
أما إيران، فهي ليست مجرد لاعب إقليمي محدود؛ لديها القدرة على تنفيذ عمليات مستمرة ومدروسة، استنادًا إلى خبرتها الطويلة في إدارة النزاعات الإقليمية، وربط أي مواجهة أمريكية بمصالح القوى المحيطة بها، هذا يجعل أي تحرك مباشر من واشنطن واقصد التورط أكثر مما هو عليه وضمنا التدخل البري، سيدخل امريكا في حرب استنزاف متعددة الأبعاد، معقدة، وطويلة الأمد، مشابهة لما حصل مع روسيا في أوكرانيا، لكن بمستوى أخطر بكثير بسبب قدرة إيران على المناورة الإقليمية وربط الصراع بمحاور إضافية...
النتيجة العسكرية والاستراتيجية لهذا التحالف الضمني يمكن تلخيصها بثلاث نقاط رئيسية:
- استنزاف طويل للقدرات الأمريكية: أي تدخل مباشر في إيران سيستنزف الولايات المتحدة على مستوى العمليات العسكرية والتخطيط الاستراتيجي، كما استنزفت روسيا في أوكرانيا، لكنه سيكون أعقد وأخطر بسبب قدرة إيران على التوسع الإقليمي وربط الصراع بمحاور متعددة...
- إجبار أمريكا على مواجهة متعددة الجبهات، دعم روسيا والصين لإيران يجعل أي خطوة أمريكية محفوفة بالتحديات، بحيث يتحول أي قرار إلى مواجهة تكتيكية متشابكة مع عدة أطراف غير مباشرة، تزيد من تكلفة التدخل على المدى الطويل...
- درس استراتيجي جديد على غرار درس فيتنام، فالتاريخ يعيد نفسه بطريقة أكثر تعقيداً، اقصد إن أي قوة كبرى تتورط في صراعات بعيدة عن مصالحها المباشرة، دون حسم سريع، تصبح غارقة في حرب استنزاف طويلة، وربما تفقد المبادرة الاستراتيجية...
وهنا أقول إن التحليل العسكري والسياسي يؤكد أن هذا السيناريو ليس مجرد افتراض، فدعم روسيا والصين لإيران يمكن أن يشمل:
(أنظمة دفاع متقدمة، تدريب القوات الإيرانية على عمليات هجومية ودفاعية، تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير قدرات الصواريخ الدقيقة ونظم القتال الإلكتروني)...
كل هذه العوامل تجعل أي تدخل أمريكي محفوفاً بالمخاطر، ويضع واشنطن أمام تحدٍ مزدوج:
مواجهة إيران مباشرة مع احتمال المواجهة غير المباشرة مع روسيا والصين...
والرسالة الاستراتيجية هنا واضحة: كما أغرقت واشنطن روسيا في أوكرانيا بالتحالف مع أوروبا، يمكن للتحالف (الروسي-الصيني-الإيراني) أن يغرق أمريكا في إيران، إذا تم تنسيق الدعم العسكري والاستراتيجي بشكل ذكي ومدروس. صاع صاعين؟..
نعم، وأكثر من ذلك، درس استراتيجي جديد يُظهر أن كل تدخل بعيد المدى، بلا حسم سريع، يتحول إلى مستنقع طويل ومكلف، ويعيد واشنطن إلى الوراء عسكرياً وسياسياً، وربما يعيد رسم معالم القوة في الشرق الأوسط بشكل جذري...
في نهاية المطاف، السيناريو الإيراني هو اختبار حقيقي للقدرة الأمريكية على إدارة المواجهات الاستراتيجية المتعددة الجبهات، ومقياس حقيقي لقدرة التحالفات غير الرسمية على تغيير ميزان القوى دون خوض حرب شاملة مباشرة، لذا إذا نجح التحالف الروسي-الصيني-الإيراني في لعب هذا الدور، فإن الولايات المتحدة ستواجه واحدة من أكثر التجارب تعقيداً منذ فيتنام، وربما أكثرها خطورة.