
الشرق الأوسط على مفترق التحولات نهاية رهانات واشنطن وتل أبيب:
في السنوات الأخيرة، شهدت منطقة غرب آسيا تحولات غير مسبوقة. الحروب والصراعات لم تعد مجرد مناوشات عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية بين دول، بل تحولت إلى اختبار شامل لموازين القوى في المنطقة. ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه لعبة محسومة لصالح واشنطن وتل أبيب أصبح اليوم معقدًا وغير متوقع، حيث تشير الأحداث على الأرض إلى أن الكثير من الرهانات قد فشلت أو انقلبت.
إسرائيل، التي اعتادت خوض حروب سريعة محددة النتائج، تستند في استراتيجيتها على ضربة أولى قوية تكسر بنية الخصم، متبوعة بتدخل أمريكي لفرض وقف إطلاق النار وتحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي. هذه المعادلة التقليدية لم تعد صالحة اليوم، إذ وجدت تل أبيب نفسها أمام مواجهة استنزاف طويلة الأمد، يتغير فيها ميزان القوى تدريجيًا مع مرور الوقت.
الخصوم الحاليون، وعلى رأسهم إيران ومحور المقاومة، اتخذوا نهجًا مختلفًا: التصعيد التدريجي والسيطرة على الزمن. هذه الطريقة تجعل المعركة مفتوحة وغير محددة بنهاية سريعة، وتسمح باستغلال كل تحرك للخصم. وفي ظل هذا النمط، ظهرت مؤشرات ضعف واضحة في الأداء الإسرائيلي، سواء في مجالات الاستخبارات أو محاولة تحييد القدرات الصاروخية للمقاومين، بينما بدأ الاقتصاد الإسرائيلي يشعر بثقل الحرب، مع ارتفاع التكاليف العسكرية والمدنية وزيادة القلق داخل الأسواق المالية من عبء طويل الأمد.
لكن الأكثر أهمية هو الفشل في تحقيق الهدف السياسي الأساسي للحرب: إضعاف إيران أو إزاحتها من الساحة الإقليمية. على العكس، يبدو أن محور المقاومة خرج متماسكًا، قادرًا على إدارة الصراع ضمن رؤى استراتيجية طويلة المدى. وهذا يعيدنا إلى السؤال المحوري: ماذا بعد؟
إذا بقي النظام الإيراني صامدًا، واستمرت قوى المحور متماسكة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، فإن المنطقة ستدخل مرحلة جديدة كليًا. لم تعد الدول الغربية أو الإقليمية قادرة على التعامل مع هذه القوى كأطراف ثانوية، بل كفاعلين مؤثرين يشكلون جزءًا أساسيًا من أي معادلة أمنية واستراتيجية.
في لبنان، سيصبح الضغط على حزب الله لإسقاط قدراته العسكرية أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا خرج الحزب من المواجهة وهو يحتفظ بقوته العسكرية ويعزز شرعيته الشعبية. وفي سوريا، سيكون فشل الرهان على كسر محور طهران وحزب الله بالغ الثقل على الدولة السورية الحالية، ما سيدفعها لإعادة تثبيت دورها الإقليمي بشكل حذر بعيدًا عن الاحتكاك المباشر مع المقاومة.
العراق سيشهد أيضًا إعادة تموضع للقوى المرتبطة بالمحور، مما يمنحها ثقة أكبر في مواجهة الضغوط الأمريكية، وربما يدفعها لإعادة صياغة علاقاتها مع واشنطن وفق حسابات أكثر استقلالية. أما اليمن، فوجود جماعة أنصار الله كلاعب إقليمي مؤثر يعطي العاصمة صنعاء ثقلاً إضافيًا في أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
على المستوى الإقليمي الأوسع، سيضطر عدد من الدول لإعادة التفكير في استراتيجياتها الأمنية وتحالفاتها السياسية، إذ أن الحروب لم تعد تغيّر الخرائط العسكرية فحسب، بل تعيد رسم موازين القوى الاقتصادية والسياسية أيضًا.
في المحصلة، تقف المنطقة اليوم على مفترق طرق: إما أن تنجح واشنطن وتل أبيب في استعادة زمام المبادرة وفرض تسويات لإعادة تثبيت النظام القديم، أو أن تسود الوقائع الميدانية لتفرض نظامًا إقليميًا جديدًا، يكون فيه محور المقاومة عنصرًا ثابتًا في معادلة القوة.
والدرس التاريخي واضح: الحروب التي بدأت بهدف تغيير المنطقة كثيرًا ما تنتهي بتغيير موازين القوة فيها، لكنها نادرًا ما تكون لصالح من أشعلها.