--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

الشرق الأوسط على صفيح ساخن، التفاوض والردع في لحظة حرجة

Salah Kirata • ٢٦‏/٢‏/٢٠٢٦

5375.jpg

الشرق الأوسط على صفيح ساخن، التفاوض والردع في لحظة حرجة:

يشهد الشرق الأوسط اليوم مرحلة دقيقة، حيث تتشابك خيوط الدبلوماسية مع التهديد العسكري في مشهد استراتيجي معقد. بينما تتجه الأنظار إلى جنيف لاستكمال الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، تستعد الولايات المتحدة لمواجهة محتملة عبر نشر قوتين بحريتين هائلتين: حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" في مياه بحر عمان، و**"يو إس إس جيرالد فورد" في قاعدة سودا بجزيرة كريت**، بدعم أكثر من 40 ألف عنصر عسكري و23 قطعة بحرية. هذا الانتشار النادر منذ غزو العراق عام 2003 يعكس حالة من التناقض الاستراتيجي، حيث تتقاطع لغة التفاوض مع منطق الردع العسكري.

في هذه اللحظة الحرجة، يتجسد الصراع الإقليمي والدولي في مواجهة وجودية بين مشروعين متقابلين: مشروع محور الممانعة بقيادة إيران، الذي يسعى لكسر الهيمنة الأحادية لواشنطن وضمان استمرار سلاسل الطاقة والتجارة العالمية بدعم موسكو وبكين، مقابل المشروع الأمريكي-الإسرائيلي الذي يسعى لإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط وترسيخ دولة الكيان الإسرائيلي كمركز استراتيجي، مع مواجهة التمدد الصيني وتأمين السيطرة على الممرات الحيوية.

لم تعد أدوات "الحرب الهجينة" مجرد دعم للدبلوماسية، بل تحولت إلى جوهر الاستراتيجية نفسها. فالتهديدات العسكرية تتداخل مع الرسائل الدبلوماسية، وتترابط العقوبات الاقتصادية مع الحروب النفسية، لتخلق بيئة من الغموض الاستراتيجي المتعمد، تجعل قراءة نوايا الأطراف المهمة شبه مستحيلة. ففي الوقت الذي يعزز فيه انتشار القوات الأمريكية منطق الردع ويضغط على إيران دبلوماسياً، تتبنى طهران استراتيجية مزدوجة تجمع بين الانفتاح على الحوار والتمسك بحقها النووي السلمي، وبين رفع جاهزيتها العسكرية عبر التدريبات والصواريخ لتعزيز الردع على الأرض.

ومع أن الهدف الأمريكي والإسرائيلي موحد من حيث منع إيران النووية، يظهر تباين واضح في الرؤية: فواشنطن تسعى لإدارة الأزمة عبر اتفاقات محدودة تحمي مصالحها وتجنب حرباً شاملة، بينما ترى إسرائيل أن الوقت ليس في صالحها وتطالب بتفكيك كامل للبنية النووية الإيرانية ووقف برنامج الصواريخ وعلاقاتها الإقليمية، وهو ما يخلق فجوة زمنية بين الصبر الاستراتيجي الأمريكي والزمن الوجودي الإسرائيلي، ما يزيد من احتمالية الإجراءات الأحادية إذا شعرت إسرائيل بخطر الاتفاق المؤقت.

هذا الصراع الإقليمي ليس انعكاساً لمنافسة داخلية فقط، بل هو جزء من تحولات جيوسياسية أوسع. فواشنطن تحرص على إدارة التوازن بين الحضور العسكري والردع دون الانخراط الكامل في حرب شاملة، بينما تواصل الصين تعزيز نفوذها اقتصادياً عبر الاستثمار في البنية التحتية والموانئ، وتتحرك روسيا بمرونة محدودة لكنها عالية التأثير عبر صفقات السلاح والدبلوماسية مع إيران، ما يخلق طبقات متعددة من التأثيرات على الساحة الإقليمية.

أما إيران، فهي تسعى للحفاظ على قدرتها الردعية والبقاء عبر استراتيجية توازن مرنة، حيث يمكنها امتصاص ضربة محدودة وإظهار القدرة على الرد بقوة، بهدف رفع تكلفة أي تصعيد على الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، تركز على تطوير الدفاع الجوي قصير ومتوسط المدى، استعداداً لأي هجمات محتملة على منشآتها النووية أو العسكرية.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور عدة سيناريوهات مستقبلية: أولها "الاتفاق الهش" الأكثر ترجيحاً، حيث يتم التوصل لتفاهم مؤقت يتيح لإيران تخصيباً محدوداً تحت رقابة مقابل رفع جزئي للعقوبات، مع استمرار عمليات الحرب الخفية مثل التخريب والاغتيالات. ثانيها "المواجهة المحدودة"، قد تحدث إذا فشلت المفاوضات، وتركز على تدمير منشآت محددة دون تغيير النظام، مع رد إيراني محسوب لتجنب حرب شاملة. وأخيراً، "التصعيد الشامل" الأخطر، حيث أي خطأ في تقدير نوايا الطرف الآخر أو سقوط قيادات بارزة في إيران قد يؤدي إلى اندلاع صراع واسع يهدد مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية.

الشرق الأوسط يقف اليوم على مفترق طرق. الولايات المتحدة تحاول إدارة الأزمة بعقلانية، إسرائيل تبحث عن تأمين تفوقها واستقرارها، وإيران تتمسك بقدرتها الردعية وحقها بالتكنولوجيا النووية السلمية، بينما الصين وروسيا يواصلان تعزيز نفوذهما بطرق مختلفة. وفي رأيي، التوازن الحالي هش للغاية، وأي خطأ في الحسابات قد يحوّل "لعبة إدارة الأزمة" إلى مواجهة إقليمية غير قابلة للسيطرة، مما يجعل الحكمة تكمن في قراءة الرسائل العسكرية والدبلوماسية المتشابكة بعناية فائقة لتجنب الانزلاق نحو مواجهة كبرى.