--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

الشرق الأوسط بين هندسة الفوضى وخيار الدولة المدنية: قراءة في توظيف الطائفية ومآلات المنطقة

Salah Kirata • ٢٠‏/٤‏/٢٠٢٦

23282.png

الشرق الأوسط بين هندسة الفوضى وخيار الدولة المدنية: قراءة في توظيف الطائفية ومآلات المنطقة.

منذ عقود، لم يعد الصراع في الشرق الأوسط يُقرأ فقط بوصفه تنازع مصالح دول أو حدود، بل بات كثير من التحليلات السياسية يذهب إلى أنه ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل البنى الاجتماعية والسياسية من الداخل، عبر أدوات أكثر تعقيداً من الحرب التقليدية، وفي مقدمتها توظيف الهويات الفرعية، وعلى رأسها العامل الطائفي.

في أدبيات السياسة الدولية، يُستشهد أحياناً بما يُنسب إلى بعض دوائر التخطيط الاستراتيجي في الولايات المتحدة بعد حرب تشرين عام 1973، من أن وحدة العرب في لحظات الصراع تشكل تحدياً لأي مشروع نفوذ خارجي، وأن تفكيك هذه الوحدة لا يكون بالضرورة عبر القوة المباشرة، بل عبر تغذية خطوط التصدع الداخلي، وفي مقدمتها الانقسامات الهوياتية والمذهبية. سواء صحت الصياغات المتداولة حرفياً أم لا، فإن الثابت في سلوك السياسات الدولية لاحقاً هو أن إدارة التوازنات في المنطقة كثيراً ما جرت عبر بوابات الداخل لا عبر حدود الخارج.

ومع مطلع عام 1979، شكّل التحول الكبير في إيران، بما عُرف بالثورة الإسلامية، نقطة انعطاف استراتيجية في المنطقة. فقد نشأت دولة تحمل مشروعاً أيديولوجياً عابراً للحدود، وترافق ذلك مع تأسيس "الحرس الثوري" وتبني خطاب "تصدير الثورة". هذا التحول، بغض النظر عن تقييمه السياسي، أسهم في إعادة تنشيط الهويات المذهبية في الإقليم، حيث بدأ التفاعل الإقليمي يتخذ في كثير من الأحيان طابعاً طائفياً متصاعداً، انعكس على أكثر من ساحة عربية.

وفي السياق السوري تحديداً، تشير بعض القراءات إلى أن الثمانينات شهدت تصاعداً في حضور البنى الاجتماعية ذات الطابع الديني غير الرسمي، سواء عبر جمعيات أو حلقات دينية أو أطر اجتماعية متعددة، بعضها اتخذ لاحقاً بعداً سياسياً أو أُعيد تفسير دوره في ضوء الصراع الداخلي. غير أن الأخطر في تلك المرحلة لم يكن في وجود هذه البنى بحد ذاته، بل في قابلية البيئة العامة للاستثمار فيها ضمن صراعات أوسع، داخلية وإقليمية في آن واحد.

ثم جاء عام 2006، مع حرب لبنان، حيث نُقل عن وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كوندوليزا رايس، في سياق تصريحاتها خلال تلك الحرب، حديثها عن "ولادة شرق أوسط جديد". هذا التعبير لم يكن مجرد توصيف إعلامي، بل فُهم في المنطقة على أنه إشارة إلى مرحلة إعادة تشكيل سياسي وجغرافي واجتماعي، تتجاوز منطق الدولة التقليدية إلى منطق "إعادة هندسة الإقليم" تحت ضغط الحروب والأزمات المتتالية.

لاحقاً، ومع اندلاع موجة ما سُمّي بـ"الربيع العربي"، برز جدل واسع حول طبيعة ما يجري: هل هو حراك ديمقراطي تلقائي، أم أن المنطقة دخلت فعلاً في مسار تفكيك أعمق يعيد إنتاج الفوضى تحت عناوين مختلفة؟ كثير من القراءات النقدية رأت أن ما يجري لا يمكن فصله عن فكرة "الشرق الأوسط الكبير"، وما يرتبط بها من نظريات "الفوضى الخلاقة"، حيث يُترك الفراغ السياسي والاجتماعي ليتحول إلى صراع هويات وعنف مسلح، بدلاً من أن يُدار ضمن انتقالات سياسية منظمة.

ومن هنا، فإن التحذير الأساسي الذي يطرحه هذا النوع من التحليل ليس في الاختلاف السياسي أو التعدد الطبيعي داخل المجتمعات، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى بنية صدام دائم، تُفقد الدولة معناها، وتُحوّل المجتمع إلى جماعات متقابلة لا يجمعها عقد وطني جامع.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا اليوم، بعد كل ما مرت به من حرب وانقسام وتدخلات، ليس فقط في إعادة الإعمار المادي، بل في إعادة تعريف فكرة الدولة نفسها: هل هي دولة مكونات متصارعة تُدار بالتوازنات الهشة، أم دولة مواطنة قائمة على عقد اجتماعي واضح، يُساوي بين جميع السوريين دون استثناء، ويجعل معيار الانتماء هو المواطنة لا الطائفة ولا العرق ولا الجغرافيا؟

إن أي مشروع سياسي في المرحلة الانتقالية، مهما كانت طبيعته أو شعاراته، لن يكتب له الاستقرار ما لم يتجه بوضوح نحو دولة مدنية ديمقراطية، يكون أساسها دستور متوافق عليه، يُعرض على السوريين للاستفتاء، ويصبح المرجعية العليا الوحيدة للشرعية السياسية: مجلس الشعب، الحكومة، ورئاسة الجمهورية.

إن التجربة السورية، بما حملته من آلام عميقة، تؤكد أن لا حل في منطق الغلبة، ولا مستقبل في منطق التقسيم الناعم أو الصلب، وأن الطريق الوحيد الممكن للخروج من الدائرة المغلقة هو إعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة الكاملة، لا الانتماء الجزئي.

وفي الختام، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تُقال اليوم، للإدارة السورية الحالية ولكل الوطنيين السوريين، هي أن حماية سوريا لا تكون بإعادة إنتاج الاصطفافات القديمة، بل بكسرها جذرياً. فالدولة التي لا تتسع لجميع أبنائها دون تمييز، لا يمكن أن تستقر، والمجتمع الذي يُدار بمنطق الهويات المتقابلة، لا يمكن أن ينجو من إعادة إنتاج أزماته.

إن سوريا التي يستحقها السوريون جميعاً هي تلك التي لا يُعرّف فيها المواطن بملته أو طائفته أو أصله، بل بكونه شريكاً كاملاً في وطن واحد، ودولة واحدة، ومصير واحد.