
السلطة الانتقالية وأحمد الشرع، التزام بالمرحلة أم تجاوز للصلاحيات؟ :
السؤال عن البديل لسلطة أحمد الشرع يُطرح يومياً وكأنه القضية الكبرى في السياسة الوطنية، لكن الواقع بسيط بمعنى أن البديل ليس في شخص آخر، بل في ضبط السلطة الحالية ضمن مهامها الانتقالية، فالسلطة التي يقودها الشرع اليوم ليست سلطة تأسيسية دائمة، ولا هي مفوضة لإعادة هيكلة الاقتصاد أو وضع سياسات اجتماعية أو ثقافية أو دينية، فهذه المرحلة ليست للهيمنة، بل للانتقال، ولتنظيم الدولة وفق الأطر الدستورية...
فالسلطة الانتقالية مسؤولة عن مهام محددة وواضحة منها :
أولاً :
إنشاء مؤسسات التمثيل التشريعي من خلال مجلس تشريعي انتقالي، يراقب السلطة التنفيذية، ويصدر القوانين الأساسية للمرحلة، بما فيها قوانين الأحزاب والجمعيات...
ثانياً :
تأسيس مؤسسات الضبط القضائي، عبر محكمة دستورية عليا مستقلة، تحمي القضاء من أي تدخل سياسي أو سلطوي وتعيد إليه استقلاليته المفقودة...
ثالثاً :
تهيئة الانتخابات العامة عبر إعداد قانون انتخابي وتنظيم سجل انتخابي يضمن شفافية الانتخابات في نهاية المرحلة الانتقالية...
رابعاً :
فتح الحياة الحزبية والتعددية السياسية، بما يتيح نقل الحكم من شرعية ثورية إلى شرعية تمثيلية، ويؤسس للمنافسة السياسية الديمقراطية...
فمفتاح نجاح هذه المرحلة ليس القوة أو الصدام، بل سلوك مدني ووعي جماعي، وكل نشاط أو خطوة خارج هذه المهام الانتقالية يجب أن يُنظر إليه بعين التحفظ، ومقاطعة أي تجاوز للسلطة أمر حاسم. الصحفيون، المشايخ، أصحاب المهن والنخب السياسية، لا يجب أن يمنحوا أي شرعية اجتماعية أو سياسية لممارسات تتجاوز حدود السلطة الانتقالية، لأن قبول المجتمع هو مصدر قوتها. حين يُحصر هذا القبول ضمن مهامها الدستورية، تُجبر السلطة على الالتزام بمسؤولياتها الانتقالية...
عموماً :
المرحلة الانتقالية ليست وقتاً للسلطة لتضع قوانين اقتصادية خاصة أو تهيمن على الإعلام أو تدخل في الشؤون الدينية، بل هي لحماية مؤسسات الدولة وإعدادها للانتقال إلى مرحلة تمثيلية شرعية، فالتزام السلطة بهذه الحدود يضمن أن يتمكن المواطنون من الانتقال إلى حكم شرعي ديمقراطي، وأن تكون الانتخابات القادمة حرة وشفافة، وأن تظل الدولة محكومة بالقانون والمؤسسات وليس بالهيمنة الفردية...
في نهاية المطاف، البديل الحقيقي ليس في تغيير الأشخاص، بل في ضبط السلطة نفسها، ومطالبتها بالوفاء بمسؤولياتها الانتقالية، وتقييد كل نشاط خارج هذه الصلاحيات، هذا الالتزام المدني والدستوري هو الطريق الأمثل نحو تأسيس شرعية مستقبلية، ويشكل الضمان الحقيقي لاستقرار الدولة واحترام مؤسساتها.